بين ادريس وابليس – 4

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-08-29
بين ادريس وابليس – 4
كان واجبا التعريف بالسنوسية والسيد ادريس السنوسي بالذات لما له من فضل في استقلال البلاد واخراجها الى حيز الوجود : دولة مستقلة ذات سيادة .. قبل الدخول في المقارنة بما لا يقارن .. ولا تجوز فيه المقارنة أصلاً .. ولكن قراءة التاريخ أوجبت ذلك وفرضته سيما وأن الملازم معمر محمد بومنيار القذافي قد حكم ليبيا مدة أطول بكثير مما حكمها الملك الراحل ادريس .. وفرض أمرا واقعا كجزء من التاريخ لا يصح انكاره او التنكر له .. وجال فيها وصال .. وفعل فيها كل ما يصح او لا يصح فعله .. جعل من الرجال نسوة ومن النسوة رجالالا من رحم الله .. واحتقر علية القوم وأهانهم وأذلهم ورفع أرذلهم وقربهم اليه .. ولا يزال كثير من الليبيين من ضعاف النفوس يؤيدونه ويرون ان الشعب الليبي لا يستحق الا مثل هذا الحاكم الظالم لنفسه وعائلته وقبيلته ولليبيين أجمعين .. يرون في ظلمه عدلاً .. وفي جبروته وقسوته رحمةً .. ويبررون فعالا لا تبرر وأعمالا يستحي منها الشيطان الرجيم .
الملك ادريس السنوسي أوجد وأرسى معالم دولة وبناها من العدم .. والملازم الراحل هدم وهد كيان هذه الدولة وقلبها على عروشها كما كانت سيرتها الأولى بل أكثر كثيرا واستخدم في ذلك حيلاً وألاعيب وقوانين جائرة .. والهدم أسهل عادة من البناء .. ومعاوله اسرعمنأدوات التشييد .. وهناك مثل ليبي يقول " اللي بناه النمل في سنة ياخذه الجمل في خفّه " مع الفارق في التشبيه .
كانت ليبيا الحديثة لمن لا يعرف - و بعضهم لا يريد ان يعرف حتى الآن - خاضعة لكل انواع الاستعمار .. من الاستعمار التركي الذي دخل ابوابها تحت راية الخلافة الاسلامية الى الاستعمار الايطالي البغيض وانتهاء بالاستعمار البريطاني تحت مظلة الحكومة العسكرية البريطانية التي حررت البلاد من الحكم الايطالي الغاشم .. ولم يكن هذا التحرير مقصوداً ولا كان اعترافا بحقوق الليبيين لما حدث لهم من عسف وجور وظلم وما فقدوه من شهداء طيلة ثلث قرن – امتدت من عام 1911 الى عام 1943 - شهدت فيه ليبيا من المذابح والمجازر والابادة الجماعية والمعتقلات والسجون وفقدت فيه نصف سكانها ما لم يكن في الحسبان دون ان يحرك في العالم بأسره بشرقيه وغربيه شعرة من رأس.. وإنما جاء التحرير نتيجة صراع بين قوتين عظيمتين يمثل احدهما دول المحور التي تضم ايطاليا وألمانيا واليابان بينما يمثل الثانية دول الحلفاء التي تضم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية وروسيا.
كانت ليبيا الحديثة تئن تحت براثن الفقر والجهل والمرض .. فقيرة حتي العدم .. ومريضة حتى العظم .. أما عن الجهل فحدث ولا حرج .. لا يكاد سكان المدن ان يعلموا اولادهم تعليما ابتدائيا متواضعا أما غير ذلك فممنوع لا يسمح به من قبل السلطات الغاشمة والتعليم العالي غير متاح الا لقلة تعد على الأصابع ممن تهيأت لهم الفرص في السفر الى الخارج .
وكانت لدى زعماء ليبيا في الغرب والجنوب والشرق أولويات خاصة يأتي في مقدمتها الجهاد المقدس وطرد المستعمرين .. وكان لكل منهم وسائله وأساليبه الخاصة .. فمنهم من كان يهادن حتى تأتيه فرصة سانحة فيغتمنها ويضرب العدو في مقتل .. ومنهم من كان يناورن ويتظاهر بالطاعة أحياناً وشق عصا الطاعة أحياناً أخرى .. ومنهم من كان يجاهر بالعداء مفضلا الموت في عزة وشموخ .
هكذا كان الحال في ليبيا الى ان وقعت الحرب العالمية الثانية فاغتنمها السيد ادريس السنوسي فرصة لينحاز الى جانب الحلفاء تحت مقولة " عدو عدوك صاحبك " وقد أجمع الليبيون على انه اختار القرار الصحيح وأيدوه في شرق البلاد وغربها .. أسس الجيش السنوسي في المنفى ودخل بجيش التحرير في مقدمة الجيش الثامن البريطاني كما فعل الجنرال ديجول عندما أسس جيش التحرير ليشارك به في تحرير فرنسا من الحركة النازية المحتلة .
كان ذلك قبل أن يُولد معمر القذافي .. طفلا فقيرا فقراً مدقعاً في صحراء سرت القاحلة لا يكاد يجد ما يسد به الرمق .. وكانت تلك عقدة نقصه بل عقدة العقد التي أظهرها على الشعب الليبي في وقت لاحق .. عملا بقول الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه " لا تطلب الخير من بطن جاعت ثم شبعت فان الشح لا يزال باقيا فيها واطلبه من بطن شبعت ثم جاعت فان الخير لا يزال باقيا فيها "
وللحديث بقية ..
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com