بين ادريس وابليس – 5

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-08-29
بين ادريس وابليس – 5
كان أول عمل انتهجه الملك الصالح ادريس السنوسي - وهو بالمناسبة لقب لم يطلقه على نفسه ولا أطلقه عليه من حوله من الرجال الشرفاء المخلصين بل أطلقه عليه الليبيون بعد وفاته اعترافا بجميله وتقديرا لدوره ورداًللفضل الى أهله .. وكذلك مقارنةً بمن جاء بعدهفإن الأمور تُدرك بأضدادها .. بل حرّم على نفسه لقب صاحب الجلالة الذي كان شائعا بين ملوك عصره والذي كان يعتبر الصيغة الرسمية في التخاطب مع الملوك– صاحب الجلالة للملك وصاحب الفخامة لرئيس الجمهورية وصاحب الدولة لرئيس الوزراء وصاحب المعالي للوزير - لأنه وهو التقي الزاهد الورع كان يعتبر أن الجلالة لله وحده– كان أول عمل انتهجه هو لم شمل الليبيين وصهرهم في بوتقة واحدة اسمها ( ليبيا) .. بعد أن كانوا مشرذمين متفككين تسييرهم أهواء شتىوزعامات ومصالح جيهوية او قبلية او اجنبية عربية وغير عربية .. لم تكن عنده طرابلس ولا بنغازي ولا سبها ولا البيضاء إلا مدينة من سائر المدن إنما ليبيا دولة واحدة ذات سيادة .. هكذا كان رحمه الله ينظر اليها .
فمن القرارات المصيرية التي اتخذها بادئ ذي بدء– وفقا لتوصيات الأمم المتحدة - تشكيل لجنة الواحد والعشرين من كل ولاية سبع شخصيات معروفة ومشهود لها بالوطنية والاخلاص وانبثق عنها الهيئة التأسيسية المكونة من ستين عضوا التي كانت مهمتها الأولى والأخيرةهي وضع الدستور وتحديد شكل الدولة – المملكة الليبية المتحدة - دولة مستقلة ذات سيادة بمليكهاوعلمها ونشيدها الوطني.
وتحت اشراف الأمم المتحدة وبمساعدة من الأمين العام المساعد السيد ادريان بلت تم وضع دستور للبلاد يعتبر من أغنى دساتير العالم المتقدم جوهراً وموضوعيةوأكثرها حرصا على حرية الوطنوالمواطن وعلى حقوقه وصون كرامته.. شارك في اعداد هذا الدستور والقوانين المنبثقة عنه نخبة من أفضل رجال الفقه الدستوري في العالم وفي مقدمتهم العالم الدستوري المصري ذائع الصيت عبدالرزاق السنهوري .. وقدحدد الدستور اختصاصات الملك بأنه يملك ولا يحكم وبييّن صلاحياته وفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وحدد دور كل منها وجعل للمحكمة العليا اليد العليا وكلمة الفصل في حل أي خلاف ينشأ بين هذه السلطات.
وتم حل الهيئة التأسيسية عقب الفراغ من مهمتهاتلك كما تم إجراءأول انتخابات برلمانية حرة لمجلس النواب حسب الكثافة السكانية .. انتخابات حرة بمفهوم ذلك الوقت الذي كانت تسوده النعرات القبلية والجهوية نتيجة الجهل الضارب اطنابه في كل ارجاء الوطن حيث لم يكن شرطا اختيار الأصلح ولا الأكثر علما وقدرةً واقتداراً ولكن من يملك تأثيرا أكبر على الناس قبليا او ماديا .. وعيّن الملك أعضاء مجلس الشيوخ من الولايات الثلاثة بالتساوي لكي يُحدث نوعا من التوازن والتساوي مما يطلق عليه باللغة الانجليزية checks and balances فلا يجور أحد على أحد .. ولا ولاية على أخرى في دولة حديثة يسودها الود والوئام برغم الفقر والفاقهة والحرمان .. وكان من أول أهداف المجلسين - اللذان باتا يعرفان بمجلس الأمة - مناقشة الدستور واقراره والمصادقة عليه ووضعه موضع التنفيذ العاجل .. واكتملت أركان الدولة الوليدة .
ولم يعد ينقصها سوى أموراً ثلاثة غاية في الأهمية هي ثالثة الأثافي الجهل والفقر والمرض تمكن الملك الحكيم وحكومته الرشيدة من التغلب عليها بالصبر والجلد والمثابرة والسعي الحثيث نحو ايجاد الحلول المناسبة لها :
كان أولى هذه الأمور وأهمها فقر البلاد من الموارد المالية التي كانت لا تكفي لتغطية ميزانية الدولة على الرغم من ان هذه هي الميزانية الأولى وكانت متقشفة الى ابعد الحدود لا تتجاوز الثلاثة ملايين والنصف مليون جنيها وكانت معظمها لسداد مرتبات وأجور موظفي الدولة .
وكان الأمر الثاني يتمثل في قلة عدد المتعلمين من ابناء الوطن اللذين يمكن الاعتماد عليهم في تسيير مختلف قطاعات الدولة وشغل الوظائف الهامة خصوصا وان نسبة الأمية قد بلغت أكثر من 95% .
وثالث هذه الأمور تفشي الأمراض وخاصة مرض السل والجدري والرمد الحبيبي ونقص العلاج والأطباء والمستشفيات .
كانت هذه الأمور تمثل تحدي بالغ الصعوبة بالنسبة لرجال الدولة ولشبابها الصاعد الواعد .. تحديا لن يصدقه إلا من عاش فيه وعايشه .. تحديا بحسب مقياس ذاك الزمان يكاد يعتبر من رابع المستحيلات .. فكيف تم ذلك ؟.
وللحديث بقية ...
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com