همسة إلى مؤتمرنا الوطنى : متى ندرك أن الزمن سبقنا ؟

محمد عبدالله حنيش  بتاريخ   2012-09-02
إستبشر كل أبناء ليبيا ومحبيها خيرا بمشاهدة قاعة اجتماع المؤتمر الوطنى تزدان بأولى إفرازات التحول الديمقراطىفى البلاد .
كان المشهد : انتصارا .. لشعب سُلبت حريته.
تزكية .. لدماء الشهداء الأبرار.
إنصافا ..للمناضلين الشرفاء الأحرار.
وكان أن تزاحمت المشاعر لدى الناظر الفارح بين مُسبِّح لله المعزّ لمن يشاء والمذلّ لمن يشاء , وبين مُتـَّعظ بصنوف مفاجآت الزمان وتقلباته .
كل هذا ترجمته انسياب دموع البعض فى صمت .. مختصرة التعبير عن مخزون وجدانات ضاقت بما حملت لردح طويل من الزمن .
والعقلاء يدركون أن مسئولية المؤتمر جسيمة , وأن بدايته ستكون من نقطة الصفر فى كل شيئ , لإعادة الحياة لوطن معتلٍّ أشبه ما يكون بمريض مُسجىّ بغرفة العناية الفائقة , ويحفل ملف تشخيص حالته بمجموعة كبيرة من الأمراض وتداعياتها الخطيرة على باقى الجسم .
والمُجرّبون يلاحظون أن المؤتمر قد انجرّ الى الغوص فى تفاصيل لا تعدو عن كونها ظواهر طافية لمشكلات الاعماق الرئيسية والمعروفة للجميع , وبدأ الحال تدريجيافى مداولات المؤتمر يأخذ طريق المجلس الإنتقالى السابق فى كيفية التعامل مع الامور , وما صاحب ذلك من أسباب تواضع أداء الحكومة المؤقتة طيلة الوقت, فضاع على البلاد زمن لا يُعوض ... بدأ ـ وللأسف ـ يوازيه مزيد من الوقت الضائع فى مؤتمرنا تترجمه الآن مداخلات بعض النواب المحترمين الى المطالبات بتحسين خدمات مرفقية .. والبلد غارق فى أوحال الفوضى والتـّسيّب عموما .
ولعل من عجائب مصادفات القدر أن تزامن وقت انقلاب سبتمبر سنة 1969 مع وضع ( نيل آرمسترونج ) رجله على سطح القمر فى يوليو 1969 , فاتحا المجال أمام استكشافات واسعة ظهرت آثارها فى كل المجالات فى الكون , وساهمت فى تحقيق إنجازات كبرى للإنسانيةلكل الأجيال الحالية والقادمة , وانقضت بعد ذلك ما يقارب الخمسة عقود من الزمن , واصل فيها المجتهدون عملهم حتى تمكنت المركبة الفضائية ( كيوريوسيتى ) من قطع 568 مليون كيلو متر لتحط على كوكب المريخ تمهيدلوصول رائد آخر إليه ... وكنا نحن طيلة هذه المدة نعيش فىظلام الاستبداد , وما تأسس عنه من جهل وتفريط , وتبديد ثروات الامة فى قبضة الرجل الواحد والعقل المتفرد .
و لو تم خلال تلك المدة إنفاق نصف دخل ليبيا فقط على العلم والتعلم لكان لنا اليوم شأنا مختلفا , ولأصبحنا أحسن تطورا من كثير حتى من بعض دول الغرب .
ولسخرية القدر أن مات آرمسترونج ( 82 عاما ) , يوم كنا نناقش فى المؤتمرالانفلات الامنى , وإرهاب الجماعات المسلحة وهدم قبور الأموات !!!.
فهل يدرك مؤتمرنا الموقر أنه لابد من أن يختط لعمله خطة طيران بما يصفه الغرب بسمى( fly over ) تختصر الزمن للوصول إلى مكامن أسباب الظواهر السلبية التى نعيشها , والواجب اجتثاثها من المنبت بدلا من ضياع الوقت فى تقليم وقص فروع النبتة الخبيثة عند ظهورها السطحى , ناسين أو متغافلين أن لهذه الفروع جذورها الموغلة فى الارض والواجب التعامل معها مباشرة اختصارا للزمن والجهد , فالتعامل مع المعادلة يستدعى الالمام بماهيتها وانتهاج منطقية تصور أسلوب الحل , وليس مجرد النظر إلى شكل الارقام ووصف رسمها على الورق .
فالمخرج الحقيقى لما نحن فيه هو إيجاد منهج محدد وخطة استراتيجية تقود الجميع طائعين أو مجبرين , وفى أقل زمن متاح للخروج من هذه الظلمة المهلكة بدلا من تعامل المؤتمر مع تفاصيل متشعبة ستكون من اختصاص حكومة تنفيذية منتقاه يفترض أن ينجح المؤتمر فى اتخاذ اسباب قيامها , وأن يخط لها خارطة طريق تخدم الوطن .
ولا ننسى أن آرمسترونج قد مات بعد ما يقارب خمسة عقود من يوم هبوطه على القمر , وقد استفاد العالم كله من ذلك الانجاز تقدما نحو التطور والتنمية والعلوم إلا نحن .. فقد كنا يوم موته فى شأن يقل كثيرا عما كنا عليه يوم وصوله القمر!. فالمسألة محسومة سلفا ,, عقلا وفهما ويقينا :
ذلك أن الله ( لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) صدق الله العظيم.