اتجاهات اختيار رئيس الحكومة بعيدا عن الدوافع الغرائزية

إسماعيل القريتلي   بتاريخ   2012-09-02
يتعرض أعضاء المؤتمر الوطني العام هذه الأيام إلى ضغوطات كبيرة من قبل مجموعات العمل الداعمة لمرشحي رئاسة الحكومة، والمتجول في أروقة فندقي ريدسون بلو المهاري وريكسوس يلاحظ حراكا واسعا ويلمح تنقل الداعمين بين المرشحين التي تبدأ مباشرة بعد انتهاء أعمال المؤتمر كل يوم وتستمر حتى ساعات الصباح الأولى. شخصيا أشفق على أعضاء المؤتمر فهذا الضغط المتواصل واللقاءات المتكررة مع ساعات عمل طويلة كل يوم تؤثر على أوضاعهم الصحية مما يتطلب الترفق بهم ليتمكنوا من مواصلة المهام المنوطة بهم.

وباقتراب يوم عرض المرشحين الرسميين لأنفسهم وبرامجهم على المؤتمر الوطني لتبدأ بعدها الجولة الأولى لانتخاب رئيس الحكومة المؤقتة تحول الضغط على فرق داعمي المرشحين وبدا هذا الضغط يؤثر على مبررات من يقود حملات الدعاية وجلب التأييد للمرشحين من المنطق والفكر إلى مستوى أدنى بدأت تظهر فيه الغرائز ومعارك أن تكون أو لا تكون كما ورد بنصوص وليام شكسبير ، وبتنا نسمع عبارات بل ومحاورات تصنف تحت ما يسمى في السياسة اللبنانية الضرب تحت الحزام حيث باتت الغرائز وأهمها غريزة الوجود هي الدافع الأهم والأول فانطلق الداعمون وبعض المرشحين في الهجوم على منافسيهم من المرشحين للحد الذي رأينا وسمعنا عبارات لا تنتمي للممارسة السياسية الملتزمة بأخلاق وقواعد العملية الديمقراطية.

كانت الجهوية إحدى تلك المبررات الغرائزية حيث اندفع الداعمون في إنعاش وتحريك غرائز الانتماء للمكان لدى أعضاء المؤتمر الوطني بغرض إقصاء المرشح الخصم، وهذا يتناقض مع الممارسة السياسية وقواعد اللعبة الديمقراطية التي تقوم على النقاش الموضوعي للإمكانات الشخصية للمرشحين ورؤيتهم السياسية ومنهجهم الحاكم لاختيار الفريق الحكومي وهذا يتطلب عقد مناقشات ومناظرات ومقارنات موضوعية مع كل المرشحين مما يعني إسقاط المبرر الجهوي أداة لإقصاء المنافس.

وبالتأكيد الروح الجهوية هي متناقضة تماما مع روح التغيير التي قادت شعبنا للثورة ضد النظام الجهوي الذي فرض المعايير الغرائزية في ترسيم الحالة الاجتماعية والسياسية في ليبيا.
ويلي ذلك الإقصاء الفكري الذي يحاول عديد المرشحين وداعميهم فرضه على أعضاء المؤتمر ليتبنوه منهجا في تحديد موافقهم من المرشحين فمجرد انتماء المرشح لفكر أو خلفية سياسية يصبح من التأثير الغريزي إبعاده وعدم الاستماع له والإذن له بعرض برنامجه رؤيته والحكم عليها إلى جانب تقييمه هو في إمكاناته بعيدا عن الإقصاء الفكري.

وهذا بلا شك تكرار للفكر الأحادي الذي فرضه علينا نظام القذافي طوال أربعين عاما والشعب اختار النهج الديمقراطي المؤسس على التعددية والاختلاف وإيجاد مساحات واسعة للمناورة السياسية القائمة على العمل مع السياسيين المخالفين فهناك دوما أشكال للعمل الجماعي بين المختلفين السياسيين مثل الحكومات الإئتلافية وحكومات الوفاق الوطني والوحدة الوطنية وغيرها من القوالب التي تعزز الاعتراف بالمختلفين بدلا من الإقصاء القائم على الأحادية.

ويزداد المشهد غرائزية عندم يلتزم أحد مرشحي رئاسة الحكومة بتكرار نفس الجملة بأنه هو وحده خيار الشعب واعتبار القرب منه أو البعد عنه هو المعيار الوحيد للوطنية والقبول بالديمقراطية فكل من رضي القرب منه والعمل من خلال ما يقدمه هو يكون وطنيا ويحترم إرادة الشعب وبالمقابل كل من يختلف عنه هو رافض لنتائج الانتخابات وبعيدا عن الوطنية وله أهداف غير معلنة. وهذا الاندفاع لاتهام المنافس السياسي يعكس حالة الارتباك الغرائزي التي لا تنسجم مع الممارسة السياسية القائمة على التقدير والتقييم الموضوعي.

وبعيدا عن المشهد السياسي الليبي لو تخيلنا المتنافسين الآن في الديمقراطية الاميركية تدفعهم غرائزهم بالبقاء السياسي لرأينا شللا في الممارسة السياسية يسببه من يخشى خسارة جولة أو جولات في اللعبة الديمقراطية. لكن الاعتراف بالهزيمة هو أحد أهم أسس العملية الديمقراطية الذي يجب أن يرسخه أعضاء المؤتمر الوطني ويفرضونه على المتنافسين على المناصب العليا في الحكومة المؤقتة.

ربما هو قدر أعضاء الوطني أن يتحملوا مسؤولية وطنية أساسها الدفاع عن مبررات ثورة 17 فبراير بمنع التخاصم السياسي أن يعيق التحول الاجتماعي الذي يشكل ركن بناء المشهد السياسي على مبادئ الديمقراطية البعيد عن المحاصصة الجهوية والإقصاء الفكري واعتماد معايير موضوعية في تقييم الخصم السياسي. حتى الآن نجح الليبيون في ترسيخ قيم الديمقراطية وبقي انتخاب الأكفاء والأقدر ليتولى رئاسة الحكومة بعيدا عن الجهوية وإقصاء الأفكار الخطوة الأخيرة لننهي المرحلة الانتقالية بممارسة سياسية تدون في سجل ذاكرة الإنسانية.