بين ادريس وابليس – 6

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-09-02
بين ادريس وابليس – 6
كيف استطاع الملك ادريس تخطي العقبة الأولى من الثالوث الرهيب واستطاع ان يُوفر للبلاد ميزانية تقوم عليها دولة أنشأت حديثا من العدم .. كان الأدريس واثقا من دعم الدول الشقيقة وخاصة مصر التي كانت في السابق سباقة لدعم حركة التحرروالجهاد الليبي وايواء المجاهدين ممن اضطرتهم الظروف للهجرة اليها.. ومدت ليبيا بكثير من المساعدات المادية والعسكرية رغم الظروف الدولية المعاكسة فمصر كانت واقعة تحت السيطرة الانجليزية ولم تكن بريطانيا راغبة في معاداة ايطاليا أثناء احتلالها لليبيا تحسبا لما ستبينه الأيام.. وكان لمصر الفضل عليه شخصيا حين هاجر اليها عام 1923 قادما من جالو فرحبت به ترحيبا منقطع النظير حكومة وشعبا وافسحت له مجال العمل السياسي ليقود حركة الجهاد عن بعد .
يبدو أن آمال الملك ادريس في مصر فاقت توقعاته .. واحلامه كانت تشبه احلام اليقضة التي سرعان ما تنقشع وتتبدد عند أول اختبار لها .. كان يتوقع ان مصر لن ترفض له طلبا خاصة وان طلبه كان مشروعا ومبررا وليس مستحيل التحقيق .. ولكن في لعبة السياسة فان ما تعتبره سهلا هو المستحيل بعينه وما تعتبره مستحيل التحقيق هو السهلالمستجاب .
أوفد الملك رئيس وزرائهالسيد محمود المنتصر الى مصر لمقابلة نظيره مصطفى النحاس باشا ليطلب منه سلفة قدرها ثلاثة مليون ونصف جنيه لتكون أول ميزانية للحكومة الليبية .. وكان يحدوه الأمل ألا يرده خائبا لأن مصر في ذلك الوقت كان لديها امكانيات مالية عظيمة .. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .. قال مصطفى النحاس ان مصر لا تمانع في اعطاء ليبيا القرض المطلوب ولكن بشروط أولها تعيين مستشار مالي مصري يوافق على الصرف من الميزانية العامة قبل ان يصرف منها مليم واحد .. وثانيها ان تتنازل ليبيا لمصر عن الأرض الواقعة بين السلوم وطبرق .. رد المنتصر انه بالنسبة للشرط الأول فانه لا يرى مانعا من قبوله واما بالنسبة للشرط الثاني فانه لا يملك البت فيهوسيعرض الأمر على الملك ليرى رأيه فيه .
ولما عرض السيد المنتصر على الملك ما طلبه منه النحاس باشا كان رد السيد ادريس واضحا " لو كنت أريد بيع بلادي لبعتها بثمن أفضل من هذا بكثير "
وكان على الملك ان يبحث عن بدائل أخرى .. وليس ثمة بدائل كثيرة .. فعامل الوقت ضده .. وموظفو الدولة ينتظرون مرتباتهم .. ولا بد من حل سريع وجذري.. ولم يجد الملك غير حل واحد .. ان يطلب معونة ومساعدة حليفته السابقة بريطانيا العظمى .
يُعرف الصديق وقت الضيق .. من العبارات البليغة التي لا تكاد تخلو لغة منها .. ويقال بالانجليزية A friend in need is a friend indeed.. وهكذا كان رد فعل بريطانيا ايجابيافوافقت على اجراء معاهدة مع ليبيا تدفع بموجبها الثلاثة ملايين والنصف من الجنيهات ايجارا لقاعدة العدم في طبرق كل سنةولمدة محدودة تجري بعدها مفاوضات بين الطرفين اما لتجديدها او الغائها بناء على طلب احد الفريقين المتعاقدين .
ورغم ان المعاهدات الدولية مع القوى الأجنبية لا تلقى ترحيبا لدى الشعوب لما تنطوي عليه من انتقاص للحريات وتتصف به من استعمار في ظاهره او باطنه غير متقبل من الشعوب المغلوبة على أمرها .. ولكن كان السيد ادريس يعمل بشعار ليبي صميم " قال ايش زرّك على المر قال له اللي أمرّ منّه " .. ولم تحدث أي انتهاكات كبيرة للحريات في ليبيا طوال تاريخ تلك المعاهدة .. بل شهدت عندما كنت في ادارة الموظفين سنة 1954 انه عندما قرر الجيش البريطاني اخلاء معسكرين في بنغازي هما معسكري الريمي والدوقادوستا بالبركة مظاهرة قام بها العمال الليبين في هذه المعسكرات مطالبين باعادة فتحها لتشغيلهم وعدم قطع ارزاقهم وذلك نتيجة للوضع الاقتصادي المتدني والمتردي .
لم يغضب الملك ادريس من تصرف النحاس باشا هذا بل واعتبر ذلك من حقه ان يشترط كما يحب لمصلحة بلاده ومن حق الطرف الثاني ان يرفض هذه الشروط التي اعتبرها السيد ادريس (شروط النسيب الكاره).. ولم ينس الجميل الذي قدمته مصر في السابق .. ولكنه كما يقال بالليبي (أخذ على خاطره) نوعا ما .. الى ان قامت ثورة مصر بعد عام ونيف بقيادة اللواء محمد نجيب الذي سارع بزيارة الملك ادريس في طبرق لمحاولة ازالة سوء التفاهم الذي كان عالقا في الأذهان.
لم يغضب الملك ادريس بل أخذ ذلك التصرف من الزعيم الوفدي الكبير على محمل من حسن النية .. وشكر للمصرين ما بذلوه من مجهودات سابقة وأخرىكبيرة لاحقة في سبيل محاربة الجهل وارسالها بعثات متوالية من المدرسين المتفوقينالى المدارس الابتدائية والثانوية وشيوخ الدعاة في المساجد والقضاة ووكلاء النيابة التي شملت جميع المدن والقرى مما مكن ليبيا من التغلب على الثالوث الثاني إضافة للبعثات الوافدة من ليبيا الى الجامعات المصرية والى جامعات الدول الأخرى في جميع التخصصات .
بقي ثلث الثالوث الثالث وهو المرض فقد استعانت حكومة الملك بمنظمة الصحة العالمية حيث كانت توزع الفطور في المدارس مجانا وهو غذاء يشمل الحليب والتمر والخبز والبيض والتونه ويحتوي على فيتامينات مهمة بالنسبة لصحة الطفل اذ ان معظم الأمراض السائدة خصوصا مرض السل او الدرن الرئوي كانت تنجم عن سوء في التغذية .. وكانت تعقم الأطفال برش بودرة ال د.د.ت التي تقضي على البراغيث والقمل .. وللمرة الأولى عرفت ليبيا التطعيم بأنواعه ضد الجدري وشلل الأطفال .. كما كلف الحكومة باستقدام الأطباء والممرضين من كل مكان .. من مصر وبريطانيا والهند والباكستان وحتى ايران .. وشهدت ليبيا نهضة صحية لم تشهدها من قبل بفضل رجال وطنيين مخلصين من أمثال السيد خليل البناني والسيد حسين طاهر .
كان في هذا الوقت الملازم معمر القذافي لا يزال تلميذا في المرحلة الابتدائية من أولئك الصبية الذين يتناولون وجبة الفطور على حساب الدولة .. ويرشّون ببودرة ال د.د.ت .
وللحديث بقية ...
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com