الكرة الآن في ملعب إخواننا من الغرب والجنوب

د. يونس فنوش   بتاريخ   2012-09-04
الكرة الآن في ملعب إخواننا من الغرب والجنوب
ليس أثقل على لساني من الحديث عن ليبيا مقسمة إلى: شرق وغرب وجنوب.. ولكني أكون مغفلاً أو عديم إدراك لو لم أعترف بأن هذا التقسيم موجود في الكثير من النفوس، فما زلت وما زلنا نسمع الكثيرين يرددون بمنتهى الثقة والقناعة أن ليبيا هي: المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية والمنطقة الجنوبية، وأن الليبيين هم: أهل الغرب وأهل الشرق وأهل الجنوب.
ولقد كتبت كثيراً، وتحدثت كثيراً، حول هذه المسألة، وعبرت عن قناعتي التي لم يزدها الجدل إلا رسوخاً وتأصلاً في نفسي، بأن ليبيا وطن واحد، لشعب واحد، يجب أن نسعى لبحث مختلف الفرص، وتبني مختلف الخطط والسياسات، لجعل وحدة الوطن والشعب تزداد مع الأيام رسوخاً وتأصلاً.
ولكن ما ظللنا نشاهده على أرض الواقع، كان يسير في عكس هذا الاتجاه، وكان أشد ما أشعرني بالأسف أن الجهات الرسمية التي وضعنا فيها الثقة، وحملناها مسؤولية إدارة البلاد في المرحلة السابقة، المجلس الوطني الانتقالي، ومكتبه التنفيذي ثم حكومته الانتقالية، ظلت تطبق على أرض الواقع من السياسات والممارسات ما جعل أهل المنطقة الشرقية وغيرهم من مختلف بقاع الوطن يشعرون أن ثمة طرف مصر على الإمساك بمقاليد الأمور وموازين القوة كلها في يده، ولأن هذا الطرف (المجلس الوطني والحكومة) قد استقر في طرابلس العاصمة، منذ إعلان التحرير، فقد حملت المسؤولية عن هذا على أهل (طرابلس). وحيث أن الناس، عندما يتحدثون عن (طرابلس)، لا يميزون بين (طرابلس) المدينة/العاصمة، وبين (طرابلس) الولاية/الإقليم، فقد كان من السهل جدا، الانزلاق إلى هوة التعميم المخل، فبات الحديث يدور عن (أهل المنطقة الشرقية) و(أهل المنطقة الغربية) و(أهل المنطقة الجنوبية)، وبتعبير أشد هبوطاً في المستوى، ولكنه قد يكون أبلغ دلالة على المضمون، بتنا نتحدث عن: غرابة/شراقة/فزازنة.
وقد عبرت في مقالة أو مقالات سابقة عن أني أرى أن المجلس الوطني قد أوقعنا في ورطة تاريخية، لن يكون من السهل علينا الخروج منها، عندما خضع لمختلف الضغوط التي مارسها عليه دعاة الفدرالية والجهوية، فخرج علينا بالتعديل الثاني على المادة (30) من الإعلان الدستوري، الذي تحدث فيه عن أن المؤتمر الوطني سيكون من مهامه تشكيل لجنة وضع الدستور، على غرار لجنة (الستين) التي شكلت في بداية استقلال البلاد سنة 1951، مكونة من (20) عضواً عن كل ولاية من الولايات الثلاث: طرابلس وبرقة وفزان.
وعبرت عن رفضي المطلق لفكرة تبني هذا المعيار في أي استحقاق نضطر لمواجهته، لأني مؤمن إيماناً راسخاً بأن أسوأ معيار يمكن أن نبني عليه خياراتنا وقراراتنا هو معيار المحاصصة الجهوية، وذلك لأني لا أجد أي معنى في هذه المرحلة من تاريخنا، للحديث عن هوية أو كيان مستقل، نسميه (المنطقة الغربية)، وآخر نسميه (المنطقة الشرقية) أو (المنطقة الجنوبية). ولقد تبين لنا من خلال مواجهتنا لعدد من القضايا أن مواقفنا حيالها لم تكن تتحدد أو تتوجه بناء على انتماءاتنا إلى إحدى هذه المناطق الثلاث، وأننا وجدنا أنفسنا نصطف في خنادق تفصل بينها القناعات الفكرية والسياسية، ولا تتحكم فيها الانتماءات الجهوية إلى: غرب وشرق وجنوب.
ومع ذلك فالمعركة ما زالت صعبة، والطريق طويلة متشعبة، وعلينا أن نتبين مواطئ أقدامنا عليها بكثير من الحكمة وبعد النظر. ولا شك أن مسؤولية وطنية وتاريخية كبرى تقع الآن على عاتق إخواننا المنتخبين في المؤتمر الوطني.
ولقد شعرت، على الصعيد الشخصي، بكثير من الرضا، عندما أسفرت الانتخابات لرئاسة المؤتمر الوطني عن اختيار الدكتور محمد المقريف. لا لأني أعرف أن الدكتور محمد جدير بهذه الثقة وأنه أهل لهذه المسؤولية فحسب، ولكن أيضاً لأنه، بحكم الولادة والنشأة والانتماء القبلي محسوب على (الشرق). وقد كان ذلك بالنسبة لي برهاناً قاطعاً على أن المسائل في المؤتمر الوطني لا تحسب وفق الحسابات الجهوية، فقد فاز الدكتور المقريف بالمنصب بفضل أصوات إخواننا من المنطقتين الغربية والجنوبية. وبذلك تم دحض أهم وأقوى حجة كان يرفعها دعاة الفدرالية، إذ يخوّفون أهل الشرق من أن (أهل الغرب)، الذين خصص لهم مائة ومقعدان من مقاعد المؤتمر الوطني، سوف يمتلكون الكلمة العليا، وسوف ينحازون لأبناء منطقتهم في اختياراتهم المختلفة. وقد أثبت أهلنا في الغرب والجنوب أنهم قادرون على تغليب ما يرونه يصب في المصلحة الوطنية العليا، وأنهم لا يجعلون للعصبية الجهوية مكاناً حاسماً في خياراتهم.
كانت تلك خطوة أولى رائعة وذات دلالة بالغة الأهمية على قدرتنا على أن نتحرك من منظور أننا (ليبيون) قبل أن نكون من سكان إحدى المناطق الثلاث. وإني أريد أن أجازف بدعوة أهلنا في الغرب والجنوب إلى أن يتقدموا بنا خطوة أخرى حاسمة في اتجاه تكريس الوحدة الوطنية، وإثبات القدرة على تجاوز معايير المحاصصة الجهوية، وذلك بأن يتوافقوا على اختيار رئيس الحكومة أيضاً من (الشرق).
يعرف الجميع أني لا أقول هذا مطلقا من منطلق الانحياز إلى (الشرق)، ولكني أقوله من منطلق القناعة بأن خطوة مثل هذه سوف تدق المسمار الأخير في نعش الجهوية البغيضة، لأنها سوف تثبت لدعاة الفدرالية أن أهل الغرب وأهل الجنوب ينظرون إلى المسائل من منظور (الوطن الواحد).. وأنهم عند مواجهة المواقف والاختيارات يمكنهم أن يحددوا اختياراتهم بناء على القناعات والرؤى والتوجهات الفكرية والسياسية، لا على العصبيات القبيلة أو الجهوية.
وقد اخترت عنواناً لهذه المقالة يقول (الكرة الآن في ملعب إخواننا من الغرب والجنوب)، لأنهم لو انساقوا إلى تغليب المحاصصة الجهوية في اختيار رئيس الحكومة، فأصروا على أن يكون من الغرب، لأن رئيس المؤتمر كان من الشرق، فسوف يكونون قد رسخوا بشكل قاطع فكرة أننا سنظل إلى الأبد مقيدين في هذا الطوق. أما إذا تغلبوا على بعض النوازع، وغلبوا الرؤية الوطنية بعيدة المدى، واختاروا بقصد أحد المحسوبين على الشرق، فإني أرى أنهم سيكونون قد قدموا خدمة تاريخية لمفهوم الوحدة الوطنية، لأنهم سيكونون قد قضوا قضاءً مبرما على كل دعاوى الفدرالية، الذين يريدون حشرنا في هذه المعادلة: غرب، شرق، جنوب.

هاتف: 0925121949 / e-mail: fannushyounis@yahoo.com