مفارقات مزعجة فى بلادى

محمد عبدالله حنيش  بتاريخ   2012-09-07
( روح الديمقراطية ليس أمرا آليا يتم تعديله عن طريق إلغاء الاشكال , بل يتطلب الامر تغييرا فى القلب ) ... ((غاندى))
من موروثات ثقافة مجتمعنا فى الامثال أن : أراد الطبيب مداواة الأعشى فأعماه !.
أهدتنا أرواح الشهداء الأبرار, ودماء الجرحى المغاوير الحرية كاملة .. فمنهم فقط تم تحرير البلاد مما عاشته وشاهدته من صنوف قهر الاستبداد فى نظام الجهل والقمع والتخلف , ووسط تبديد ثروات ومقدرات الامة التى احتكرتها قبضة الرجل الواحد ... فطوال العقود الماضية إبان حكم البغى والطغيان لم ينفك أحد منا يحلم بوطن جميل هادئ و ديمقراطى يعيش الناس فيه بسلام وبكرامة , ويتعلم فيه ابناؤنا , وتزدهر فيه العلوم والصناعة والتطور الحضارىوالفكرى وكافة صنوف التنمية المؤسسة على ثوابتٍ تـؤمن بحقوق الانسان وبكرامته أولا وقبل كل أساس آخر.
وبفضل تضحيات أولئك الشهداء والمصابين تبوأ أعضاء مؤتمرنا الوطنى المنتخبون أماكنهم فى أولى قاعات الديمقراطية,ومنذ ما يقرب من نصف قرن من تاريخنا , فالطريق نحو الحرية مهدته لنا أرواحهم وجراحهم . والخارطة رسمتها لنا دماؤهم وتضحياتهم . فماذا كان منا نحن وإلى أين نسير ؟؟؟.
فالمتابع للحوار فى المؤتمر , أوـ بتعبير أقرب للوصف ـ مساجلات البعض التى تترجم مضامين اتجاهات الكيانات السياسية والمستنسخة من ( أجندات ) الولاء لها دون سواها .. ولا أهمية لسواها .. حتى وإن كان على حساب الوطن, يفارق فيه المنطق لسان البعض ـ وليس الكل ـ فتراه يغرّد خارج السرب أحيانا, وبطريقة تجرّ المؤتمر إلى نقض ما سبق الاتفاق عليه وانتهت مناقشته سلفا, وما اتـُّخذت فيه من قرارات .. مما أدى فى بعض الاحيان إلى أن يُنقضَ فى الجلسة المسائية ما تم الاتفاق عليه وإقراره فى الجلسة الصباحية , تماما كمن يحرث الارض فى تكرار مرور محراثه مع خط واحد طيلة يومه !.
ويحتار المرء بسؤاله: ماذا يريد هؤلاء ؟ .. فالأوطان لا تبنى من خلال حوار لا منهجىليخلط الطين بالعجين , يُخضع برنامج بناء الوطن ومقدرات الناس بالتالى إلى رؤى ومصالح كيانات خاصة . وهو أمر جلل , فلا يصحّ ولا نقبل أن ينتكس الوطن المتعافى ديمقراطيا مرة أخرى فى غوائل الانانية واحتكار المصالح لفئات

محددة بعينها .. فالمؤتمر تأسس حصرا على فئتين : 1ـ أعضاء ينتمون الى كيانات سياسية . 2ـ أعضاء مستقلون.
فالأحزاب كلها عند الاعلان عن تأسيسها تبارت وتنافست فى طرح برامجها التىتراها تخدم البلاد بأيسر السبل وأقصر الطرق وبأنقى شفافية تضع مصلحة البلاد فوق الجميع وتنبذ الاطماع والفساد , ومحاولة التدليل على صلاحية رؤياها ونظريتها إقناعا للآخرين بالانضمام والتأييد . وهذا للأسف ما لم نلمسه حتى الآن فى النقاش ولا ترجمته لغة بعض ـ وليس كل ـ منتسبيها على الاقل مقاربة لصيغة الترويج فى إشهارات تأسيسها , وكذلك الأعضاء المستقلون الذين يفترض أن يكون هدفهم فقطالوصولالى سرعة بناء ليبيا ومؤسساتها المدنية بأسرع وأنجع طريقة, وأن قراراتهم المستقلة والمتحررة من توجيهات الكيانات بأغلبيتها ( ثلثى التركيبة ) ,فى فلسفة واعية تهدف إلى تغليب الرأى المستقل كضمان للتوازنفى الحوار و حفظا للتوازن فى القرات كى لا تميد .. فأين تلك الاطروحات والشعارات والرواسى مما نراهفى مداولات المؤتمر ؟.
فإذا كان ما يدور داخل أروقة المؤتمر يسير على هذا المنوال ,, هذا فى المعلن الذى نراه , (والله أعلم بما لا نراه) , وذلك فى وقت يكون ما يدور فى الشارع خاضعا لنزوع من يضع يده على الزناد , وأن ما يجرى على حدودنا فى دول الجوار من مؤامرات الأزلام تترجمه أيدى المرجفين فى الداخل من اغتيالات و تفجير وتخريب وترويع ...ويصاحب كل هذا توقف عجلة الاقتصاد , وتعطيل إدارة شئون البلاد .
لا نرفع فى وجه مؤتمرنا ـ العزيز جدا علينا ـ شعار التشاؤم , ولا نخاطبه بلغة الاحباط , لكننا والله بتنا نخاف الاندثار , فالمسيرة لازالت طويلة , ويحتاج الوطن لإعادة البناء فىكل شئ . وفى الوقت الذى نؤمن فيه ونؤكد أن ما نقوله ليس بالضرورة صحيحا , ولا يدعى أحد سلامة وجهة نظره , ولكنا نرى أن المزيد من ضياع الوقت على بلادنا ربما يرقى إلى ( كبائر) معاصى زماننا .
أتـُرانا نلبس اليوم ثوبا من الديمقراطية لم نعهده فنرتديه بالمقلوب؟!.
أم أنه كُتـُب علينا ألا ننعم بديمقراطية تناسبنا.. فإن غابت تباكينا , وإن جاءت أسأنا وفى غىٍّ تمادينا !.

فى الممارسة الديمقراطية الصحيحة تتنافس الاطراف اجتهادا لاستكشاف الطريق المختصر والآمن لتهدى إليه مسيرة الامة ,وليست ممارسة المماراة , وتصيد الفرص نحو تحقيق غرضٍ فى نفس يعقوب . ومن نافلة القول , أن من مستخلصات تجارب الانسانية فى هذه الحياة أنه : إذا زاد الشيئ عن حده انقلب إلى ضده.. كما نأملألا يصدق فينا قول المثل السابق : أن الأعشى ذهب للطبيب ليداويه فأعماه !!.
فمتى نتعظ من سوابق دروسنا ومن تجارب الآخرين ونقتدى؟.
ألامن قائل يقول: كفانا هدرا للوقت ؟ .

05/09/2012