بين ادريس وابليس – 7

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-09-07
بين ادريس وابليس – 7
في أوائل الخمسينات من القرن الماضي لم تكن المملكة الليبية المتحدة تتمتع بأي قدر يسمح لها بأن تكون دولة بالمعنى الحديث .. دولة تنعم بكيان اقتصاد قوي وبنيان اجتماعي وسياسي متين.. بل كانت دولة مهلهة يعمها الخراب والدمار نتيجة للحروب وما قاسته قبل ذلك من تشتيت وتهتك وانتهاك للحرمات وانتقاص للقدرات ولكل ما هو مقدس على مرأى ومسمع من العالم كله .. كانت دولة قليلة السكان معظمهم بدو رحل يشتهرون برعي الغنم والماشية ويتنقلون من مكان لآخر طلبا للكلأ والمرعى .. عديمة الموارد الطبيعية او ما ظهر منها وقتئذ .. معظمها صحراء قاحلة لا ضرع فيها ولا ماء .. صحراء شاسعة مترامية الأطراف يصعب التحكم في حدودها وفي بعض الأحيان في دواخلها ايضا .. لم تكن مطمعا كبيرا لأحد من مؤسسي دولة الاستقلال .. بل كانت عبئا ثقيلا لمن يقدّر له أن يتولى أمرها ويقوم عليها .. وكان ذلك قدرا محتوما للسيد ادريس السنوسي تحمله بأمانة .. وسار به بحكمة الخبير ببواطن الأمور .. وسلمه بشرف يحسد عليه كما يحسب له .
وباستثناء الصحراء الشاسعة فليبيا كانت عبارة عن مجموعة قليلة من المدن والقرى والكهوف بناها في العصور السالفة الفينيقيون والأغريق والبيزنطيون والرومان والبربر والاتراك العثمانيون ثم الطليان لا زال بعضها يحمل اسماء من شيدوها حتى الآن .. وقليلون هم المواطنون الليبيون من سكان هذه المدن والقرى من كان ذا قدرة مالية يستطيع ان يبني لنفسه بيتا متواضعا من الطين والأخشاب في أراض حازوها عن طريق الطابو من الحكومة التركية او وضع اليد او "اللمس" كما يطلق عليه سكان البادية حتى بات عام اللمس تاريخا يؤرخ به .. وله شرعية قانونية كشرعية الطابو او التسجيل العقاري ويعتبر بين القبائل عرفا سائدا تخللته كثير من الحروب والغزوات بينها .
ومن هذه المباني اتخذت الحكومة الليبية الجديدة مقاراً لها ولمؤسساتها ومرافقها العامة تحت اشراف مستشارين أجانب معظمهم من الانجليز خصوصا في الأمور الفنية كالطب والمواصلات والشئون الحساسةكالأمور الأمنيةوالمالية وكان جلهم معارا من الحكومة البريطانية ومن بقايا الادراة العسكرية السابقة من امثال المستر شو مدير البوليس وكيركباتريك وكارتر وديفس .. فكان الانجليزي المستر ديفيس وكيلا دائما للمالية يعاونه السيد عبدالرازق شقلوف الذي ما لبث ان حل محله بعد ان اكتسب خبرة لا قبل له بها من قبل.. ويحضرني في هذه المناسبة أن أول عملة سُكت في عهد الاستقلال كانت تحمل توقيع السيد عبدالرازق شقلوف وذلك قبل تأسيس بنك ليبيا الوطني .. وكانت تلك العملة مشمولة بضمان الجنيه الاسترليني ولها نفس القوة الشرائية .. كما يحضرني رواية كانت تروى على سبيل الدعابةوالفكاهة حيث كان والدي حينذاك يشغل منصب متصرف أول منطقة درنة التي كانت تمتد من القبة غربا الى الحدود المصرية شرقا (من أواخر سنة 1949 الى 1952) اذ طلبت الحكومة من المواطنين تغيير ما لديهم من عملات مصرية –حيث انها كانت السائدة في التعامل بين المواطنين في عهد الادراة البريطانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبطلان التعامل مع الليرة الايطالية– طلبت تغييرها بالعملات الليبية الجديدة وكان أحد كبار التجار في مدينة درنة ويدعى السيد بوزيد الصافطية يحمل شوالات معبأة بالعملات المصرية طالبا تبديلها وتغييرهامن بنك باركليز بدرنة .. وعندما اطلع على العملة الجديدة ووجدها تحمل توقيع السيد شقلوف امتنع عن التغيير قائلا " والله ما انديرها .. أنا عارف عبدالرزاق شقلوف شخصيا وهو لا يملك حتى بيتا واحدا في درنه فكيف أرضى بتوقيعه على آلاف من الجنيهات المصرية ؟" .. وقد بذل موظفو البنك مجهودات كبيرة في سبيل اقناعه بأن الجنيه الاسترليني وغطاؤه الذهبي يدعمان الجنيه الليبي الجديد .
اتخذت الحكومة للملك مقرات الحاكم الايطالي السابق في كل من طرابلس وبنغازي واتخذت المعسكرات التركية والايطالية مقرات للشرطة (البوليس) والجيش ومدارس ابتدائية داخلية وخارجية مثل مدرسة توريللي في بنغازي والمدرسة الداخلية في الابيار ومعسكر قورجي والعزيزية في طرابلس .. أما المباني الخاصة بالايطالين الفاشيست الفارين بعد الحرب العالمية الثانية كمبني التأمين الايطالي (السيكورازيوني) فتم توزعيها على موظفي الدولة وغيرهم من المواطنين .. كما تم اعادة الأملاك والأراضي التي تملكها بنك روما بواسطة الشراء بشروط مجحفة الى أهلهاواصحابها القدامى .
الملك ادريس تخلى عن قصر المنار في بنغازي ليجعله أول جامعة ليبية قبل اكتشاف النفط .. وأنجبت هذه الجامعة الرعيل الأول من الشباب المتعلم بُعيد الاستقلال المجيد كما تخلى الملك عن مقر سكنه فيما كان يعرف (بالجخ) الواقع على طريق بنينا في بنغازي ليكون مقرا للكلية العسكرية الملكية .
واستمرت الدولة الجديدة رويدا رويدا في تحديث كوادرها واحلال الليبين محل الاجانب في شغل الوظائف بجميع القطاعات .
وبانت الهمة وانقشعت الغمة .. وشمر الليبيون عن سواعدهم .. وبدأوا العمل يحدوهم الأمل في غد سعيد يمحوا ذكريات ماض تعيس كثير العتمة.. ماض فيه الكثير من الفخر والافتخار بأجيال ضربوا أروع أمثلة البطولة والجهاد والتضحية التي أصبحت مثلا يحتذى في جميع بقاع الدنيا ..
وتم اكتشاف النفط .. نعمة ونقمة في ذات الوقت .. كما قال عنه الملك السنوسي رحمه الله رحمة واسعة ..
وكان الفضل في ذلك الكشف راجع الى مهندس وسياسي ليبي تخرج من كلية الهندسة بالاسكندرية اسمه مصطفى بن حليم رئيس وزراء المملكة الليبية المتحدة ..
وللحديث بقية ...
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com