هارب من الغوله..

حسين التربي   بتاريخ   2012-09-20
هارب من الغوله..
من المخجل أن تسبب لنا افكار جماعة دينية متزمتة هذا الدمار وهذا الخوف بسبب نبشهم للقبور وتدميرهم لبيوت الله بحجة حماية المجتمع من الشرك بالله والشعوذة. فهذا الموضوع يتعلق بكل الليبيين وليس بالسلفيين فقط، وما كان عليهم الا انتظار تنظيم امور البيت الليبي أولا ثم عرض الفكرة على الشعب الليبي الذي اِن وافق على هدم تلك الاضرحة يمكن عند ذلك تنفيذ القرار بطريقة حضارية وبدون تفجير وبدون نهب وبدون ارهاب وبدون تدمير للمكتبات التابعة لتك الاضرحة.
فمن الأفضل مراجعة ما في العقول وفي الصدور اولاً قبل الكشف عن ما بداخل القبور.
في ليبيا اليوم، أرى أنه قد تم اتفاق سري بين الموالين للنظام السابق من نوعية رفاق "القائد" ومن فرّختهم معسكرات اشبال وسواعد وكرعين الفاتح من عشاق الكتب الخضراء وتحالفوا مع الموالين لنظام الفوضى الحالي من نوعية رفاق امراء وشيوخ الفتاوي وعشاق الجالاطينه الملفوفة داخل كتبهم وتفسيراتهم الصفراء حتى يتم القضاء على 17 فبراير لكي لا ينجح الشعب الليبي في تحقيق طموحاته وآماله..وبالتالي يُفرض على الشعب الليبي التحول الى قطيع من المعيز والتيوس او البقر والغنم التائه الذي يسبح فقط بحمد شيوخ الغفلة ويردد تائهاً بين البوابات والفتاوي: يا حسرة على أيام معمر!
نعم، فما يسعى الى رؤيته وسماعه المنتمين للجماعات الاقصائية التي تحاول اختطاف مركبة الثورة هو ظهور الليبي متحسراً على أيام الطاغية!
هذا بالفعل ما يسعى قادة وأمراء وشيوخ الحرب والمنظرين الجدد الى اِقناع الشعب الليبي به.
هذا بالفعل ما يسعى الى تحقيقه هواة نبش القبور والتفجيرات والاغتيال والقتل بدون محاكمة.
ادخال ليبيا في فوضى عارمة هو ما تسعى اليه الجماعات الاقصائية وفتاوي امرائهم الذين كانوا ينصحوننا في الامس القريب بضرورة الركوع لولي الامر في ذاك الوقت وتمجيده.
هذا هو ما يسعى اليه الرافضون لعودة النازحين الأبرياء (أكرر الأبرياء) الى بيوتهم ومزارعهم.
وهذا ما يسعى الى تحقيقة الرافضين لقيام جيش وشرطة وحكومة ليبية نزيهة اولئك الراكعين لتوجيهات تأتيهم من خارج هذا الوطن الجريح كما اعترف بذلك سعادة رئيس وزرائنا.
أنا ارى في كل شيخ دين يتعاطى السياسة أكثر من تعاطيه لأمور الدين ونصّب نفسه موزعاً فردياً للفتاوى طاغية جديد.
وأرى في كل من يقود البلدوزر ويحضر المتفجرات لتدمير بيوت الله وارهاب المواطن الليبي طاغية جديد.
وأرى في كل من يقتل بشراً بدون محاكمة عادلة هو طاغية جديد. لن نتقدم خطوة واحدة الى الامام اِن لم يوقف الشعب الليبي هولاء الطغاة الجدد المتسترين بالدين عند حدهم.
لا أرى فرقاً بين من ارهبنا وأذلنا وحطمنا في الامس القريب بخزعبلاته ونظرياته وفتاويه في الرياضة والاقتصاد والسياسة والفلك والأدب والثقافة والزراعة وتربية الابل، وبين من يساومنا اليوم على أمننا ويرهبنا بفتاويه وبتفسيراته وبسلاح دفعنا ثمنه من دم قلوبنا وارزاقنا ويزرع الدمار في شوارعنا ومساجدنا وحوّلنا الى مضحكة قدام اللي يسوى واللي ما يسواش.
الحق حق والباطل باطل..وكلام الحق ديما وجّاع أيام الملك وأيام القذافي وايام عبد الجليل والغرياني والمقريف والكيب ومن سيأتي بعدهم.
ما نراه اليوم على الساحة الليبية لا يرضى به ليبي شريف. وما نراه اليوم على أرض الواقع بعيد كل البعد عن ما كنا نطمح الى تحقيقه من وراء الثورة على النظام الدكتاتوري..فهذا المواطن كان من شهرين فاتو عاطل عن العمل وبالكاد يحصل ميتين او ثلاثميّة دينار في الشهر اليوم صار عضو في المؤتمر العام ويبّي 9000 دينار مره واحده!
هذا المواطن نقز في حوازة جاره ويحلف باليمين بالثلاثه انه ما هو طالع منها ولو تنقلب السما على الأرض لأنه من "الثوار"!
هذا مواطن كان أمس قدام كوسا والسنوسي وسيف مدنقر راسه من الخوف واليوم تلقاه رافع خشمه على كل الليبيين وداير روحه هو اللي حرر العاصمة وكل ليبيا تقريباً!
هذا مستشار كان وزير عدل ايام القذافي وشايف عشرات الالاف من الليبيات بدون محرمه فوق روصهن وما تذكرش العادات والتقاليد الا يوم افتتاح المؤتمر العام!
هذا شيخ دين نازل فيها فتاوي يمين ويسار لمصلحة جماعته ويحساب فوق راسه الريشه وانه ليه الحق يلوم الليبيين لأنهم ما يعرفوش مصلحتهم لمّا انتخبوا تحالف معين..وهو اللي كان يقوللنا زمان اطيعوا ولي امركم القذافي!
هذا عنده مخلفات قدّاد ودراه كبيده وبطنه تجري وسنونه صفرا من ايام الطاغية طلع انه من "الثوار" وأن اصابته جاته في جبهة القتال في سرت وزاد فيه لألمانيا هو وعيلته كلها بيش يعالجو وبيش يصلّح سنونه على حسابنا ولهف فليسات جرحى الثوار الحقيقيين!
الشفافية كلمة صارت زي المستيكه او المضغة في فم المسؤولين، ولمّا تسألهم عن قصة تهريب بشير صالح او عن اسماء اعضاء المجلس الانتقالي او عن قضية اغتيال عبد الفتاح يونس او عن لماذا لقاء سيادة المفتي بسفير الامارات في طرابلس مؤخراً وما علاقة مفتي البلاد بالدبلوماسيين او عن السر وراء عدم الغاء قوانين القذافي الظالمة والهجمة الشرسة على كل من لا ينتمى لاحزاب دينية، او عن السبب وراء تخوين وتكفير كل من ينتقد ممارسات الوهابيين او السلفيين او الاخوان المسلمين، او عن من هم الليبيين الذين تقاضوا رشاوي من قطر، او ما هي السلطة اللي فوق حكومتنا المؤقتة زي ما "نوّرنا" الدكتور الكيب..لو تطالب بالاجابة في شفافية على هذه الاسئلة تكون قد خرجت عن النص والسياق الذي أعده لك سيادة المستشار والمفتي والامير وسيادة المرشد العام وضابط الاتصال والمراقبة..وقد تتحول المطالبة بالشفافية الى جريمة خيانة عظمى عقوبتها الاعدام في ظل حكومة "تستور يا سيادي" التي يسعى شيوخ الفتاوي لفرضها علينا بقوة الدعم الخارجي ومتسترين بالدين. حرام عليكم والله!
تحديات بالجملة
أمامنا الكثير من التحديات والملفات الشائكة الاخرى التي يجب علينا ايجاد الصراحة والمنطق والهدؤ حتى نتمكن من الخوض فيها بعقلانية.
نريد عودة الحقوق لاصحابها والغاء القوانين القذافية الظالمة مثل القانونين 4 و88 واستتباب الأمن ومعالجة ملف الجرحى بشكل دائم ونهائي.
نريد مناقشة الكيفية التي نتمكن بها من توفير سبل عودة مئات الآلاف من الليبيين الأبرياء المتواجدين بالخارج الى بيوتهم وارجاع حقوقهم وارزاقهم اليهم. أيام العهد السابق كان يوجد عشرات الآلاف من الليبيين المهاجرين والمنفيين والمشردين في الخارج وكنا نرفض ذلك، فهل من مصلحة ليبيا اليوم أن تتحول عشرات الآلاف الى مئات الآلاف من الأبرياء المشردين في الخارج بسبب خوفهم من الانتقامات الشخصية؟ ما الذي ذهب ببصر حامل السلاح الذي لم يعد يفرق بين من قتل ونهب واحتال وبين من رمت به الظروف الحياتية وعمل موظفاُ او عسكرياً في عهد الطاغية لكنه لم يظلم احداُ؟
نريد اعمار سرت ومصراته وتاورغاء وسبها وغدامس وطبرق وكل ليبيا.
نريد بيت آمن ومدرسة آمنة لكل ليبي وليس فتوى او جالاطينة لكل ليبي. فهل هذا كثير علينا؟
نريد مساجد لا تفخخ بالخطب التي يتطاير الشرر من بين كلماتها. نريد شيخ دين نسمع منه الكلمة الطيبة..ينصحنا ولا يأمرنا.
نريد مدارس ومصانع ومجاري وشوارع ومطارات وموانئ نظيفة ومراكز حضانة وتأهيل للمعوقين وملاعب رياضية ومعالجة جرحانا والبحث عن المفقودين وليس فتاوي وتفجيرات ومعارك جانبية.
نريد ان نبدأ من جديد وأن نضع ايادينا في آيادي اخوتنا الصادقين لأنه يبدو لي أن الكل بدأ يخطيء في حق الكل. فالتعذيب الذي رفضناه ايام القذافي لايزال موجوداً..وسرقة ارزاق العباد والفساد والظلم الذي عانينا منه ايام القذافي كلها لاتزال موجودة اليوم..وأنانية وطمع اعضاء اللجان الشعبية ومؤتمر الشعب العام ايام القذافي نراها اليوم في المؤتمر الوطني العام.
نريد أن نتصارح وأن نتسامح وأن نتعلم العبر وراء العفو عند المقدرة وأن يرضى المذنب بضرورة ملاقاة العقاب بسبب ما ارتكب من جرائم ضد وطنه وشعبه.
نريد أن ننظر باتجاه الغد الأفضل لليبيا، ذلك الغد الذي لن نتمكن من بنائه اِن مضى كل واحد منا في طريقه واستمر في غضبه وطغيانه وانفعالاته وتشنجه وتفنيصه وتصكير راسه.
الشعب الليبي خرج ليس فقط من اجل اسقاط معمر، بل من أجل اسقاط النظام الذي ابتدعه معمر ووفر له كل السبل ليفرّخ لنا المئات من "معمر".
ولأن الشعب الليبي وللأسف لم يخرج لحماية ثورته، بكل حسرة ومرارة وحزن اقولها: لقد نجحت فتاوى شيوخ الدين وسياساتهم الاقصائية وتعاونهم السري مع امراء التفجيرات والاغتيالات في الدفع ببعض الليبيين الى التخندق في المرابيع مرة اخرى ليمارسو العادة السرية لفنون الوشوشة في خوف قائلين: نعم هذا هو بالضبط ما حذّرنا منه القذافي!
فاذا اراد الشعب الليبي الانتصار بالفعل على الدكتاتورية، عليه مجابهة كل هذه الفوضى التي تعم البلاد اليوم. وأن يفعل ذلك اليوم وليس غداً وذلك بالانتفاض ضد كل اوجه الظلم والعبودية وتصحيح مسار الثورة وارجاع لكل ذي حق حقه..والا سنظلم هذا الوطن مرة أخرى مثلما ظلمناه في السابق عندما اختار اغلبيتنا موقع المتفرج والمتفنن في النقد داخل مرابيع الشاهي المقطرن وبخور السلبية.
ابحث عن الاسباب وحلل ما يحدث الآن في ليبيا ومن هم وراء القتل والنهب والتدمير والتعذيب، ستجد أن ما يحدث في ليبيا اليوم من تجاوزات وانتهاكات لحقوق الانسان والوطن ورائه أشخاص او جماعة ذات اتجاه ديني معين ومتطرف او بقايا النظام السابق والطرفان مدعومان من الخارج.
لقد هرب الشعب الليبي من الغولة لأكثر من اربعة عقود من عمر الوطن، لكنه في النهاية جابه تلك الغولة وانتصر عليها وسينتصر باِذن الله على سلّال القلوب كذلك.
تصبحو على وطن وتمسو على خير
حسين التربي
huseinturbi@yahoo.co.uk
أرشيف مقالات (ولد بلاد)، للإطلاع، اضغط هنا