استرداد أموال الزعماء المجمدة: مهمة شاقة .. وطمع غربي

السفير هيفاء زعيتر  بتاريخ   2012-06-09
هيفاء زعيتر
يطلّ خبر استرداد أموال الرؤساء المخلوعين الثلاثة، التونسي والمصري والليبي، المجمدة في الخارج، خجولاً بين الحين والآخر. يجد صعوبة في حجز مكان له في زحمة الانشغال «الثوري» بلملمة مخلفات عقود من الفساد والعبث.. والعهر السياسي والاقتصادي. مع ذلك هناك جهات قضائية ومدنية تنكب على مهمة حصر الأموال المجمّدة، كما «الضائعة»، حتى يتم استردادها بالسبل القانونية. في وقت تصطدم الجهود المبذولة بحائط مرفوع من العقبات الداخلية والخارجية، قد يكون أبرزها عدم التعاون الغربي، في ظلّ ما يقدمه التاريخ من تجارب آلت فيه الأموال المجمدة لبعض الزعماء المخلوعين إلى الغرب، علماً أن الأخير لم يتردّد في استثمارها طيلة فترة تجميدها.
ولا تقتصر الصعوبة في استرداد الأموال على محاولة حصرها فحسب، وهي تتوزع بين عقارات واستثمارات ويخوت وحسابات تحت أسماء وهمية ما زالت قادرة على التصرف بها، بل تتعداها حتى إلى الأموال التي تمّ إشهار تجميدها إذ يبقى إثبات عدم شرعيتها أمراً شبه مستحيل في ظلّ القوانين الغربية التي تتولى البتّ بالموضوع.
المفارقة هنا تتجلى في مسارعة الغرب بمجرّد إعلان الثورة إلى تجميد الأموال، في ما يبدو مساعدة للشعوب في وجه الأنظمة التي تتظاهر ضدها هذه الشعوب، بل هو «خطوة ظاهرها غير باطنها، هي مسيّسة لمصلحة الدول العظمى المودعة لديها أموال شعوب مناطق الاضطرابات»، بحسب المحامي المختص بالملف عمر الجازي، الذي أوضح لـ«السفير» أن «البنك الخارجي تحديداً المودعة لديه أموال الرئيس المخلوع يتصرف في تلك الأموال إقراضاً واستثمارا مما يعزز ربحية البنك ويفيد الاقتصاد والتجارة ويزيد من رخاء الدول الموجودة فيها ونسبة نموّها».
يذهب الجازي في شرحه أبعد من ذلك، حيث يفسر المصلحة الغربية من الناحية العملية قائلاً إن «الحكومة الأميركية ممثلة في وزارة الخزانة على سبيل المثال، وكما فعلت مع الشركات العراقية والمشتركة، تجمّد الأرصدة النقدية عن طريق إيجاد حساب (وسيط) بحيث تكون الأرصدة المالية فيه ثابتة ويحتسب فائدة بسيطة لا فائدة مركبة، أي ان المبالغ الناتجة من الفائدة لا تستثمر، لذا فإن رأس المال يتآكل عبر السنين فعلياً مع ثباته ورقياً. مع العلم أن البنك الأميركي المودع فيه المبلغ يستفيد من استثمار تلك المبالغ وتحتسب له في حسابات الأصول والإقراض والاحتياط مما يعزز من أرباحه ويدعم الاقتصاد والنمو في البلاد التي حصل فيها التجميد».
وفي السياق ذاته، تطل عقبات أخرى تناولتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في تقرير للكاتب روبرت وورث أشار فيه إلى عامل أساسي وهو إمكانية دفاع محامي الأسر الحاكمة سابقاً حتى بعد التعرف على مكان الأرصدة المجمدة. ونقلت الصحيفة عن المحامي السويسري إنريكو مونفريني، الذي يمثل الحكومة التونسية الجديدة، قوله إن محامي أسرة بن علي تصدوا لكل خطوة على طريق استعادة نحو 70 مليون دولار مودعة في مصارف سويسرية. كما كشف المحامي الإسرائيلي نك كاوفمان، الذي يتولى الدفاع عن الساعدي القذافي المقيم الآن في النيجر، انه أراد الدفاع عن ملكية عقار له في لندن بقيمة 15 مليون دولار، لكن المشكلة فقط أن الوقت لم يساعده.
بدوره أكد المحقق في منظمة «غلوبال ويتنس» لمكافحة الفساد روبرت بالمر أن «استعادة الأرصدة ليست أمراً سهلا البتة»، موضحاً أنه «أولا، لا بدّ من إيجاد هذه الأرصدة، وثانيا لا بدّ من الإثبات بأنها ملك السياسي المعني (غالباً ما تكون بأسماء وهمية) وثالثا ينبغي التأكيد أنها أموال فاسدة، وهذا يتطلب من الدولة صاحبة الطلب جمع أدلة، وهي آلية مكلفة للغاية وتستغرق وقتا».
ما سبق من عقبات، يُضاف إليه خوف الأشخاص الذين كانوا على اطلاع على أسرار الصفقات المشبوهة من كشف أية معلومات خشية من تعرضهم للملاحقة، لا سيما أن الصفقات تطال بالاتهام شركات عربية وأجنبية. يُذكر أن وزير النفط السابق شكري غانم، المقرّب من القذافي، وجد جثة هامدة في نهر الدانوب الشهر الماضي، بعد أيام من تلقيه طلب حول معلومات بخصوص صفقات النفط المشبوهة.
وإلى جانب غانم، برز اسم مسؤول ليبي آخر هو بشير صالح بشير، الذي عرف بأنه الشخص الوحيد المطلع على مصير الـ7 مليارات دولار التي استثمرها القذافي في أفريقيا، وعلى الصفقات غير القانونية التي أبرمها القذافي مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، علما انه اختفى في فرنسا من دون أثر.
أضف إلى العقبات «الليبية»، أن بعض الدول الأفريقية بدأت بتوطين الأموال، علماً أن فريقا شكلته الأمم المتحدة اتهم الحكومات الأفريقية بالامتناع عن الرد أو تقديم معلومات كاذبة.
أما بخصوص العقبات «المصرية»، فيفندها الخبير الاقتصادي المصري عبد الخالق فاروق، في حديثه لـ«السفير»، بخمسة بنود: الأول يضم جزءين هما «طبيعة وآليات عصابات ألمافيا التي كانت تدير هذه العمليات الكبرى للفساد وأعوانها في الخارج، وطبيعة تحالفاتها الإقليمية ووجود هذه الأموال كشراكة مع بعض مشايخ وأمراء دول الخليج وآل سعود». والثاني متعلق بـ«طبيعة النظام القضائي الدولي، ما بين الاتفاقيات القضائية أو عدمه، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ودرجة فاعليتها والاتفاقية الأوروبية والملاذات الضريبية الآمنة». الثالث يدور حول «الطبيعة الداخلية المصرية المتعلقة بأجهزة الرقابة ومــدى فسادها». الرابع مرتبط بـ«طبيعة الاطار القانوني الحاضن بدءاً من قوانين الضرائب والجمارك واللوائح التنفيذية للقوانين وعوراتها وقرارات الجمعيات العمومية للشركات وفسادها». الخامس يشمل «طبيعة البنية القضائية المصرية من جهاز النيابة العامة وقدراته، والبنية القضائية التي تضم ثلثين من القضاة المستقلين والثلث الآخر ليس كذلك إطلاقاً».
ويقترح فاروق، وهو مدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، بأن يتم إجراء تغييرات وتطهير واسع في قيادات الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة، وأن تعتمد هيئة مكافحة الفساد واسترداد الأموال على الجهاز المركزي لفحص المستندات والعثور عليها. كما يدعو إلى استخدام الاتفاقية الخاصة بالأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والاتفاقية الأوروبية لمكافحة الفساد والرشى، تواكبها حركة ضغط لمنظمات المجتمع المدني المصري مع نظيرتها في الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها.