الشعور بالثورة .. في وداع المجلس الانتقالي...!

عبد السلام الزغيبي  بتاريخ   2012-06-22
الشعور بالثورة .. في وداع المجلس الانتقالي...!


عبد السلام الزغيبي


في 17 فبراير قامت الثورة .. سقط النظام.. انقشع الظلام .. انزاح الثقل عن الصدور..استنشق الناس نسيم الحرية...

تكون المجلس الانتقالي.. توالت الاعترافات الدولية به. . حاولت قوات القذافي احتلال بنغازي.. فشلت المحاولة واندحرت كتائب الطاغية. تواصلت المعارك في كل الجبهات بين الثوار والكتائب..
اغتيال القائد العسكري عبد الفتاح يونس.. إقالة المجلس التنفيذي.. تحرير طرابلس.. تحرير سرت ومقتل الطاغية.. إعلان التحرير.. إعلان الحكومة الانتقالية.. اعتقال سيف الإسلام القذافي..

فرح الناس بسقوط القذافي واعتقال ابنه بعد حرب طويلة مع كتائب الموت

انتصرت الثورة ودفع الشعب الليبي خمسين ألف ما بين شهيد وجريح ومفقود، وخسائر مادية في البنية التحتية.

ألقى الثوار الحقيقيون سلاحهم وعادوا إلى بيوتهم والى أعمالهم السابقة والى حياتهم الطبيعية، لأنهم رأوا أن واجبهم الوطني ودورهم في التحرير قد انتهى بسقوط النظام وإنه لم يعد هناك معنى لاحتفاظهم بالسلاح. جاء المتسلقون والانتهازيون وأزلام النظام واحتلوا مواقع الثوار!!

وكانت المرحلة الانتقالية وتم تأسيس مجلس انتقالي بشكل سريع لان الوقت لا يسمح ، فالعدو كان على الأبواب!!.. مجلس انتقالي، لم نحدد من هم أعضاؤه ، فقفز إليه المتسلقون.

الكل افترض حسن النية في المجلس واعضائه، ولم يكن هناك مجال للفحص والاختبار والتدقيق .. وبدأ المجلس خطواته بالحصول على الاعتراف المحلي والدولي.. وشيئا فشيئا بدأ يصدر قراراته التي كثيرا ما كانت تتسم بالتخبط وافتقاد الجدية ، لم تكن هناك آلية لاتخاذ القرار، كان القرار فرديا في اغلب الأوقات! وشاب قرارات المجلس الكثير من الأخطاء ، والتسرع!وبدأت المشاكل والحساسيات تطفو على السطح .. لا احد راض على الحال، لم يشعر أحد بالارتياح . وبالإضافة للمجلس ، كان هناك الثوار وقوى المجتمع المدني، وتدخلات القوى الخارجية العسكرية والإعلامية التي فتحتنا لها الأبواب لتتدخل وتفرض أجندتها..
وبدلا من تنسيق الجهود للخروج من هذه المرحلة إلى بر الأمان، بدأت المشاكل تتفاقم فالسلاح في كل الأيادي والكل يريد فرض إرادته، وقامت الحكومة الانتقالية وبدلا من تحل الأزمات زادت الطين بله بسبب عجزها وعدم قدرتها، رغم توفر أموال طائلة لديها..أموال أنفقتها دون حسيب أو رقيب!!وأموال هربت للخارج!
غابت الشفافية والية المحاسبة وضاعت الطاسة كما يقول السوريون..!! حكومة انتقالية أهدرت الكثير من الوقت والمال، وبدأت الاحتجاجات والمطالبات، وسط غياب الدولة في الشارع، وانتشار الفوضى، والسلوكيات والظواهر السلبية بعد أن غاب الرادع الاجتماعي والأمني.

وبدأت الأحداث والصراعات القبلية، تارة في طرابلس وتارة في سبها والكفرة
وبين زوارة والجميل ورقدالين، وأخيرا الصراع بين الشقيقة ومزدة، وهي صراعات تعكس حدة المشاكل السياسية والاجتماعية، ونزاعات دموية متواصلة ستؤثر بلا شك سلبيا على إجراء عملية الانتخابات.

كنا ننتظر أن يسلم الثوار أسلحتهم ويتم بناء امن وطني وجيش، لكن هذا لم يتم.. تعطيل الجيش والشرطة كان مقصودا بتعطيل صرف مرتباتهم!
بدل من هذا ظهرت تزايدت الميليشيات المسلحة التي تسيطر على مناطق مختلفة، وتطرح مطالب سياسية ومالية وفقا لمساهماتها في الحرب ضد نظام القذافي!

وارتفعت الأصوات المطالبة بتحويل ليبيا إلى دولة فدرالية،بسبب غياب العدالة في توزيع المقاعد في بشكل يعطي الهيمنة للمنطقة الغربية،ويعطيها منفردة حق تشكيل الرؤية السياسية المقبلة للبلاد. وتم إعلان مجلس برقة، الذي وجد معارضة شديدة من المجلس الذي ألب عليه أجهزة الإعلام الرسمية وشيوخ الدين!

وبدأنا نسمع ونرى صدور القرارات الغريبة، في ملفات حيوية مثل ملف جرحى الثورة، الذين أصبحوا أقلية مع تكاثر أعداد المرضى - الأصحاء- وما به من فساد وإهدار للمال العام، ملف استفاد منه المحسوبين على الجرحى وأشباه الثوار..
والقانون الخاص بالعفو عن أعمال الثوار السابقين على ما ارتكبوه من أعمال وصفت بأنها بهدف إنجاح الثورة أو حمايتها، مما يفسح المجال لعدم محاسبة كل من ارتكب مخالفات وانتهاكات قانونية واضحة وعذب أو قتل أشخاص لأسباب شخصية!

وملف هيئة شؤون المحاربين الذي خصصت لها ميزانية ضخمة لا نعرف قيمتها بالتحديد!

والقانون الخاص بتجريم تمجيد القذافي الذي واجه الكثير من الانتقادات باعتباره خطوة في اتجاه مصادرة الحريات وتكميم الأفواه في البلد!

وآخر القوانين الغريبة للمجلس الانتقالي هو القانون رقم 50 بتعويض السجناء السياسيين .. ولكان المجلس الذي قاربت مدة نهاية صلاحيته لا يريد أن يترك مليما واحدا في الخزانة الليبية ، فهذا القانون يصب في خانة إهدار المال العام، والتصرف في أموال الليبيين، دون وجه حق!
فعلي إي أساس سيتم تعويض اسر الشهداء والمفقودين والجرحى بعد ذلك، مما يضع أي حكومة شرعية قادمة في مواجهة كبيرة مع هؤلاء.

لهذه الأسباب وغيرها..

لم يشعر احد بان شيئا مهما قد تغير في أوضاعه.. الناس كانوا بحاجة بعد التحرير إلى الاستقرار والأمن فلم يتحقق.

كان الناس بحاجة للدولة لتنظيم أمورهم،فوجدوا أن القبيلة هي الغالبة، والمدينة هي الملجأ، والوطن في الترتيب الثالث للولاء.

كان الناس ينتظرون عودة الحياة إلى طبيعتها، بناء مؤسسات الدولة، ونزع سلاح الميليشيات ومحاولة مداواة جروح الحرب، وإتاحة فرص للعمل فلم يجد شيئا من هذا.

كان الناس يريدون إنهاء حالة الفوضى والفساد ، إنهاء سياسة تغييب هياكل الدولة ومرافقها الحيوية، خلق المرافق الضرورية والخدمات الأساسية، خدمات المواصلات والنقل والطرق، خدمات الصرف الصحي وتوفير المياه الصالحة للشرب، خدمات حماية الملكية الفردية.
بناء وتطوير مؤسسات التعليم الأساسية والعليا، خدمات الصحة والمرافق الصحية والطبية، تفعيل القوانين الأساسية التي تحكم بين المواطنين فيما بينهم وفيما بينهم وبين الدولة وأجهزتها.
لكن شيئا من هذا لم يتحقق، ولهذا لم يشعر الناس بالثورة.