توزيع مقاعد المؤتمر الوطني العام على الأقاليم بالتساوي من وجهة النظر الدستورية

Ø£. محمد حسن كاموكه   بتاريخ   2012-06-23

توزيع مقاعد المؤتمر الوطني العام على الأقاليم بالتساوي من وجهة النظر الدستورية

تتعالى بعض الأصوات الآن مطالبةً بتوزيع مقاعد المؤتمر الوطني العام بين الأقاليم أو الولايات الثلاث القديمة بالتساوي، ولكن ما مدى صحة وعدالة هذا المطلب من الناحية الدستورية ؟


فيما يلي عرض لأهم الحجج التي يستند إليها هؤلاء مع الردود.

1. يدعي أنصار التقسيم المتساوي بين الأقاليم أو الولايات القديمة أن هذا المؤتمر الوليد ليس برلمانا حتى يتشكل بالانتخاب وفقا لعدد السكان ، بل هو في رأيهم جمعية نيابية تأسيسية مهمتها وضع دستور للبلاد ، ووضع الدستور يختلف عن وضع القوانين ، إذ يجب تشكيل الجمعية النيابية التأسيسية بشكل توافقي بين جميع جهات البلاد؛ لأن من شأن ذلك في نظرهم خلق توازن جهوي فيه يمنع جهة ما من فرض رأيها على الجهات الأخرى .

ويلاحظ أن هذا الرأي غير صحيح من عدة أوجه :

أ‌. يقوم هذا الرأي على أساس دستوري غير سليم، لأن التوزيع المتساوي لمقاعد المؤتمر الوطني العام بين الولايات قد يكون مقبولا من الناحية الدستورية إذا كان لهذه الولايات وجودا قانونيًّا، أي إذا كانت ولايات قائمة بسلطاتها الخاصة وحدودها ورعاياها، لأن التوزيع يكون في هذه الحالة بين أشخاص اعتبارية هي الولايات، ولذلك يتشكل مجلس الولايات (مجلس الشيوخ) في بعض الدول عادة بين الولايات بالتساوي مراعاة لتساوي مركزها القانوني، وهو ما يوجب أن يكون لكل الولايات صوتا متساويا.

أما ما يقترحه أنصار التوزيع المتساوي في ليبيا الآن مع عدم وجود هذه الولايات الثلاث من الناحية القانونية فلا يعني إلا التمييز بين الليبيين بحسب الجهات، وذلك بأن يكون صوت الليبي في أحد الجهات مساويا لثلاثة أصوات ليبيين آخرين في جهة أخرى، وأصوات ستة ليبيين آخرين في جهة ثالثة، وهو ما يخالف الإعلان الدستوري الذي ينص صراحة على المساواة بين الليبيين ويحظر التمييز بينهم جهويًّا (المادة 6): ((الليبيون سواء أمام القانون، ومتساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفي تكافؤ الفرص، وفي ما عليهم من الواجبات والمسؤوليات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء القبلي أو الجهوي أو الأسري)).

ولذلك فقد انتهك قانون رسم الدوائر الانتخابية الحالي الإعلان الدستوري بشكل مباشر وصريح؛ ذلك لأن معدِّيه أدخلوا معيار المساحة في حساب عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة[1]، وهو ما نتج عنه إجحاف كبير لجميع مدن المنطقة الغربية تقريبا التي نالت أقل من حصصها الدستورية بكثير. وبذلك فإذا قدِّر وأن رُفعت دعوى دستورية على هذا القانون لهذا السبب، لن تجد الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا مفرا من الحكم بعدم دستوريته.

ب‌. يستند مطلب المنادين بالتوزيع المتساوي لمقاعد المؤتمر الوطني العام على توصيف خاطئ لهذا الكيان السياسي؛ فهم يدعون بأنه جمعية نيابية تأسيسية، وهذا وصف خاطئ تماما لعدة أسباب أهمها:

- من المجمع عليه في فقه القانون الدستوري أن الدساتير الحديثة توضع عادة بإحدى طريقتين ديمقراطيتين: الأولى هي طريقة الجمعية النيابية التأسيسية، وقوامها أن يقوم الشعب بانتخاب جمعية تكون مهمتها إعداد مشروع دستور ثم التصويت عليه (من بين أعضائها) وإصداره، والطريقة الثانية هي طريقة الاستفتاء الدستوري، وقوامها أن يعد مشروع الدستور هيئة ما، يستوي أن تكون منتخبة أم معينة تعيينا (بقرار من البرلمان أو الحكومة أو رئيس الدولة مثلا)، وتقتصر مهمة هذه الهيئة على إعداد مشروع الدستور، وبعد إعداده تقوم بطرحه على الشعب للاستفتاء، فإذا وافق الشعب عليه صدر، وإذا لم يوافق تعين على تلك الهيئة تعديله بما يلائم المطالب الشعبية ثم طرحه للاستفتاء مجددا. والناظر المتمعن في حقيقة الأسلوب الذي تبناه الإعلان الدستوري الحالي يكتشف أنه اتبع الأسلوب الثاني أي الاستفتاء الدستوري بوضوح؛ ذلك أنه كلف المؤتمر الوطني العام بتشكيل هيئة لإعداد مشروع الدستور، ثم أوجب عليها أن تطرح هذا المشروع على الشعب في استفتاء، وعلق مصير هذا المشروع على موافقة الشعب عليه. ولذلك يتبين أن المؤتمر الوطني العام لا يختص بإقرار الدستور حتى يكون جمعية تأسيسية، كما أن تسمية الهيئة المكلفة بإعداد مشروع الدستور بالهيئة التأسيسية في الإعلان الدستوري لا يعني أنها تأسيسية فعلا، بل هذا خطأ وقع فيه معدو مشروع هذا الإعلان، فهي ليست أكثر من لجنة صياغة وليست لها أية سلطة تأسيسية في الواقع، وهذا ما يوضحه الإعلان الدستوري بنفسه عندما يقول إن من مهام المؤتمر الوطني ((اختيار هيئة تأسيسية لصياغة مشروع دستور للبلاد ....)) (المادة 30 فقرة 6 بند 2 منه)، وشتان ما بين الصياغة والتأسيس.

- كما أن المتعارف عليه أن مهمة الجمعية التأسيسية تقتصر على إعداد مشروع الدستور وإقراره وإصداره، وليس إصدار القوانين العادية وتعيين الحكومات ومراقبتها، فهذه من اختصاصات البرلمان. وبالنظر في اختصاصات المؤتمر الوطني العام وفقا للإعلان الدستوري نجد أنه يختص بتعيين حكومة انتقالية ومراقبتها، وكذلك إصدار القوانين العادية، ولكنه في المقابل لا يختص بإقرار مشروع الدستور، وبذلك يكون هذا المؤتمر برلمانا تسييريًّا بكل ما للكلمة من معنى الهدف منه إيجاد سلطة تشريعية تقوم على شؤون الدولة وتعيِّن حكومة خلال فترة وضع الدستور، وليس جمعية نيابية تأسيسية، فالسلطة التأسيسية بيد الشعب الذي أوجب الإعلان الدستوري الرجوع إليه بالاستفتاء.

ج. بالإضافة إلى ذلك، لا يصح الاستناد إلى طريقة وضع دستور عام 1951م الذي وضعته هيئة مشكلة تشكيلا متساويا بين الولايات الثلاث، وذلك لأن الأسلوب الذي اتبع في وضع ذلك الدستور لم يكن أسلوبا ديمقراطيا، فليس صحيحا أنه صدر بطريقة الجمعية النيابية التأسيسية؛ ذلك لأن الهيئة التي وضعت الدستور وأصدرته في ذلك الوقت لم تكن منتخبة بل معينة، ومن الشروط الواجب توافرها في الهيئة المنوط بها وضع الدستور لكي تكون جمعية نيابية تأسيسية أن تكون منتخبة من الشعب، فإذا لم تكن منتخبة انتفت عنها صفة النيابة، وانتفت عن الأسلوب صفة الديمقراطية، بل الصحيح هو أن دستور 1951م قد صدر بأسلوب المنحة، وهو أكثر أساليب وضع الدساتير قدما واستبدادا وتخلفا. ولذلك لا تصح مقارنة كيفية تشكيل هيئة معينة كهيئة 1951م بهيئة ديمقراطية منتخبة كالمؤتمر الوطني العام؛ فالانتخاب يعني أن الشعب هو صاحب السيادة، ومن ثم وجب تمثيل الشعب بشكل صحيح، أما في أسلوب المنحة فإن الذي يعيِّن تلك الهيئة هو صاحب السيادة الحقيقي، وصاحب السيادة هذا غير ملزم في تعيينه لهذه الهيئة بالاعتبارات الجهوية أو السكانية أو الثقافية أو العرقية أو الدينية أو غيرها، فلا شيء يمنعه قانونا بوصفه صاحب السيادة العليا من تعيين جميع أعضاء هذه الهيئة من منطقة أو طائفة واحدة دون غيرها، فهذه الهيئة لا تمثل الشعب حتى تكون تعبيرا عن تركيبته واتجاهاته، بل تمثل معيِّنها وحده- هذا طبعا إذا سلمنا جدلا بأن المؤتمر الوطني العام جمعية نيابية تأسيسية، وأن هيئة 1951م جمعية نيابية تأسيسية أيضا، والحال أنهما ليسا كذلك كما بينا، بل الأولى هو القول بأن الهيئة التي سيشكلها المؤتمر الوطني العام لإعداد مشروع الدستور مشابهة شيئا لهيئة 1951م؛ فكلتاهما معينة وتمثل الأقاليم الثلاثة بالتساوي، ولكنهما تختلفان اختلافا جوهريا وهو أن هيئة 1951م تختص بإعداد مشروع الدستور وإقراره وإصداره، أما الهيئة الحديثة فتختص بإعداد مشروع الدستور فقط.

2. يستند أنصار التقسيم المتساوي بين الأقاليم أيضا إلى مجلس الشيوخ الأمريكي؛ فهو مجلس يتشكل بالانتخاب بواقع شيخين عن كل ولاية، بصرف النظر عن مساحة كل ولاية وعدد سكانها، فهذا المجلس يتمتع بسلطات تشريعية واسعة مع كونه لا يمثل الشعب الأمريكي نفسه بل الأقاليم.

ولكن الصحيح هو أن قياس المؤتمر الوطني العام الليبي على مجلس الشيوخ الأمريكي قياس فاسد، ففضلا عن كون مجلس الشيوخ الأمريكي ممثلا لولايات أي دويلات قائمة لا وجود لها في ليبيا كما سبق بيانه أعلاه، فإنهما يختلفان جوهريًّا من عدة أوجه منها:

أ. مجلس الشيوخ الأمريكي جزء من السلطة التشريعية للولايات المتحدة (الكونغرس) وليس كلها، إذ يوجد إلى جانبه مجلس النواب الذي يمثل الشعب وليس الولايات، ويتم انتخابه وفقا لعدد السكان، ويعمل المجلسان جنبا إلى جنب؛ فالقوانين التي يقرها أحد المجلسين يجب أن يقرها المجلس الآخر، وكذلك توجد عدة اختصاصات أخرى مشتركة بينهما، وبذلك لا يستفرد أحد المجلسين بالسلطة دون الآخر، فتشكيل الكونغرس الأمريكي هو توفيق بين الاعتبارات الجهوية والسكانية أملته ضرورات وحدة الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الثامن عشر، أما إذا أخذنا رأي المنادين بالتوزيع المتساوي بين الأقاليم في ليبيا وطبقناه في الولايات المتحدة فإن هذا يعني الإبقاء على مجلس الشيوخ فقط وإلغاء مجلس النواب؛ لأن المؤتمر الوطني العام يتألف من مجلس واحد فقط.

ب. وكذلك يختلف الكيانان من حيث النشأة؛ فالولايات المتحدة الأمريكية نشأت باتحاد دويلات شبه مستقلة اشترط بعضها للدخول في الاتحاد الجديد أن يكون لكل دويلة منها صوتا متساويا في مجلس ينشأ لهذا الغرض، وذلك حتى تحتفظ بذاتيتها ووجودها القانوني في ظل الاتحاد خوفا من ابتلاعه لها وصهرها فيه، فنشأ مجلس الشيوخ وفقا للدستور على هذا الأساس، أي أن الدستور هو الذي أنشأ مجلس الشيوخ وليس العكس، أما واقع ليبيا اليوم فيقول إنها دولة بسيطة موحدة لا دويلات فيها، وأن شعبها من أكثر شعوب العالم انسجاما وتوافقا، ناهيك عن أن المطالبة بوجود (مجلس شيوخ) قبل صدور الدستور مخالف للمثل الذي يضربونه.

3. ينطلق أنصار التقسيم المتساوي بين الأقاليم من مقدمة فاسدة مفادها أن كون أغلبية أعضاء هذا المؤتمر من جهة واحدة في الدولة (الجهة الغربية أو ولاية طرابلس الغرب سابقا) يعني أنه هو الإقليم الحاكم وأن الإقليمين الآخرين في موقع المحكوم! أي وكأن جميع مدن غرب ليبيا على قلب رجل واحد ولها رأي واحد ومصلحة واحدة وصوت واحد في كل شيء توجب عليها الاتحاد والعمل كجسد واحد كبير داخل البرلمان! وهذا الادعاء فضلا على كونه مبنيًّا على تجاهل وجود الأحزاب السياسية التي تتشكل من كل الجهات والمدن ويتبنى كل منها رأيا محددا في كل شأن على أساس سياسي لا جهوي– فإنه باطل واقعيًّا؛ فلكل مدينة بل لكل ممثل رأيه الخاص ومصالحه وأيديولوجيته وسياسته، وهي أشياء لا يتفق عليها حتى الأشقاء فما بالك بممثلي عشرات المدن!
والله الهادي لسواء السبيل
أ. محمد حسن كاموكه / أستاذ القانون الدستوري – جامعة الزاوية
________________________________________
[1] راجع ما اعترف به الدكتور الأمين بالحاج بنفسه في مقالته: حقيقة تقسيم الدوائر الانتخابية لانتخابات المؤتمر الوطني العام: http://www.libya-alyoum.com/news/index.php?id=21&textid=9130