المساواة والتوافق أمر ضروري في مرحلة التأسيس!

سليم الرقعي   بتاريخ   2012-06-30
المساواة والتوافق أمر ضروري في مرحلة التأسيس!
- لكل بلد ظروفه وطريقته الخاصة في مرحلة التأسيس -
يصر البعض – بجهل أو بسوء فهم أو سوء نية – على إعتبار المؤتمر الوطني في حكم "برلمان" بينما طبيعة ووظيفة وعمر هذا "المؤتمر" تؤكد أنه ليس في حكم برلمان بل في حكم "جمعية وطنية تأسيسية إنتقالية" مؤقتة .. والسبب في هذا – إذا إستبعدنا سوء النية والمصلحة الجهوية أو الحزبية - هو الخلط بين مرحلتين مختلفتين لكل منهما طبيعتها وأدواتها وإجراءاتها .. مرحلة التأسيس الإنتقالية (الإستثنائية) .. أي مرحلة ما قبل الدستور ... ومرحلة ما بعد التأسيس أي مرحلة ما بعد وضع وإقرار الدستور وهي مرحلة الحياة السياسية الدستورية (الطبيعية) .... فمرحلة ما قبل الدستور عام 1951 لم يقم الليبيون بتشكيل"برلمان" تحت مسمى (المؤتمر الوطني العام!؟) إنما شكلوا "جمعية وطنية تأسيسية" والتي كانت مهمتها وضع الدستور وتشكيل حكومة .. ولأن المرحلة مرحلة تأسيسية لذلك كان التمثيل فيها قائما ً على التوافق وبالتساوي بين ممثلي الأقاليم .... أما بعد ذلك أي بعد وضع دستور عام 1951 فتم فتح باب الإنتخابات للبرلمان!.. حيث تم جعل التمثيل في البرلمان على أساس عدد السكان لا بالمساواة بين الأقاليم ... لكننا نجد اليوم البعض - بجهل أو بدهاء - يخلط بين المرحلتين ويجعلهما كأنهما في مرحلة التأسيس !!!... حتى يمكن أن يمرر قوله أن المؤتمر الوطني هو برلمان وليس جمعية تأسيسية!!... أما الحقيقة وما جرى بالفعل في تلك الأيام من خطوات تأسيسية فهو كالتالي :
(1) تشكيل (لجنة وطنية تحضيرية عامة) تتكون من 21 عضو بحيث يكون 7 أعضاء من كل إقليم لذاك سميت لجنة الواحد والعشرين.
(2) تقوم هذه اللجنة التحضيرية بالإشراف على تشكيل (الجمعية الوطنية التأسيسية) (لجنة الستين) بحيث يكون لكل إقليم 20 عضو في الجمعية التأسيسية.
(3) تقوم الجمعية الوطنية التأسيسية بوضع الدستور وإقراره من خلال وجود (لجنة إستشارية دستورية) من خبراء القانون الدستوري الذين يقومون بوضع "مسودة" الدستور ثم تعرض على "لجنة الستين" للنظر فيها فإما إقرارها أو إعادتها للجنة الدستورية المتخصصة لإجراء التعديل اللازم فيها .
(4) أقرت الجمعية التأسيسية الدستور ... وتم تشكيل الحكومة.
(5) تم – بعد حين - فتح الباب لإجراء الإنتخابات البرلمانية الوطنية الإتحادية أي لإنتخاب أعضاء (مجلس الأمة) أي (البرلمان الإتحادي الليبي) .. أي أن البرلمان يكون هو الخطوة الأخيرة لا الأولى !.
(6) في الوقت الذي أتفق وتوافق فيه الأباء المؤسسون على أن يكون التمثيل في المرحلة الإنتقالية التأسيسية على أساس المساواة بين ممثلي المناطق الليبية الثلاث فإنهم أقروا أنه فيما بعد ذلك فإن البرلمان الوطني الحاكم (مجلس الأمة) – بعد إقرار الدستور وإنتهاء مرحلة التأسيس – ينبغي أن يكون وفق التعداد السكاني فأقر القانون يومها أن توزيع المقاعد سيكون كما يلي : طرابلس 100 مقعد وبرقة 60 مقعد وفزان 40 مقعد ..... ولكن هذا فيما بعد مرحلة التأسيس لا في مرحلة التأسيس الإنتقالية!... لكن الطريقة الغريبة العجيبة التي فرضها الإعلان الدستوري المؤقت للمجلس الوطني الإنتقالي المؤقت قلبت الأمور وخطوات الـتأسيس رأسا ً على عقب !!.. فبدأت المرحلة التـأسيسية بإنتخاب "برلمان" !!.. أو هكذا تم تفسير الإعلان الدستوري المؤقت من قبل البعض على أن "المؤتمر" هو في حكم "برلمان" بينما لو تمعنت النظر في وثيقة الإعلان الدستوري لأكتشفت أنه في حكم جمعية وطنية تأسيسية أو في حكم "اللجنة التحضيرية" السابق ذكرها لا في حكم برلمان لأن هذا الإعلان الدستوري يحدد مهمة المؤتمر الوطني العام في إختيار الإشراف على تشكيل هيئة وضع الدستور + إختيار حكومة مؤقتة !!.. أي أن المؤتمر الوطني هنا هو في مقام (اللجنة التحضيرية) (لجنة الواحد والعشرين) أو هو في حكم (الجمعية الوطنية التأسيسية) !..... الغريبة هنا أن هذا ما أكده السيد "الصغير مصباح الماجري" - نائب رئيس المفوضية الوطنية العليا للإنتخابات - في لقاء مع قناة ليبيا الأحرار – حيث قال أن هناك خلط لدي الليبيين في فهم طبيعة المؤتمرالوطني التأسيسي .. فالمؤتمر الوطني العام ليس "برلمان" – كما قال حرفيا ً – وهو يختلف في وظيفته عن البرلمان فوظيفته ومهمة المؤتمر الوطني الأساسية كما قال هو تسمية أعضاء اللجنة الدستورية أي اللجنة التي ستضع الدستور بينما البرلمانات ليس من مهمتها وضع الدساتير ولا تشكيل النظام السياسي للدولة..وقال أن المؤتمر الوطني هو في حكم جمعية وطنية تأسيسية لا في حكم برلمان وأكد هذا مرارا ً وتكرارا ً خلال اللقاء!.. فكيف يأتي الآن من يريد تمرير هذه الخديعة !!؟... أي من يريد إقناعنا أن المؤتمر الوطني هو في حكم (برلمان) حاكم يكون الحكم فيه لمن يفوز بأكبر عدد من المقاعد !!!؟.. بينما خطوات التـاسيس تقتضي أن يكون إنتخاب (البرلمان الحاكم) هو الخطوة الأخيرة لا الخطوة الأولى !!!؟.. وهؤلاء الذين يصرون على أن المؤتمر الوطني في حكم برلمان لا يخرجون عن صنفين : الأول صنف جاهل بطبيعة المرحلة التأسيسية وطبيعة ليبيا والشعب الليبي!.. وصنف آخر : عارف بالحقيقة ولكنه يتجاهلها بدافع أطماع وأغراض جهوية أو حزبية حيث يخطط للإستيلاء على هذا المؤتمر الوطني العام بدعوى أنه (البرلمان الحاكم) من أجل إدارة المرحلة التأسيسية على هواه وعلى مقاس طموحاته السياسية أو الجهوية!.


إذن فهذا هو الترتيب الطبيعي والتسلسل التاريخي لما حدث عند التأسيس الأول للدولة الليبية وهو ما يجب أن يحدث عند التأسيس الثاني لدولتنا الجديدة ونظامنا الوطني الجديد ... فنحن الآن بلا دستور ولا مؤسسات دستورية مما يعني أننا عدنا إلى نقطة الصفر!.. ومن الخطأ والخطل والخلط مقارنة ليبيا بمصر أو تونس فالقياس مع الفارق !.. والفارق الكبير جدا ً !... فهم لم يبدأوا مثلنا من نقطة الصفر !... ونحن نبدأ من نقطة الصفر وهذا يقتضي إعادة تأسيس الدولة الليبية أو – أي إذا أردنا أن لا نبدأ من نقطة الصفر ! – علينا العودة لدستور 1951 .

وخطوات الـتأسيس لا تبدأ بإنتخاب (برلمان حاكم) بل إنتخاب (جمعية وطنية تأسيسية ) ... لذا فالمؤتمر الوطني العام هو إما في حكم (اللجنة التحضيرية العامة) (لجنة الواحد والعشرين) سالفة الذكر وبالتالي فإن مهمته تكون محصورة في الإشراف على تشكيل الجمعية الوطنية التأسيسية ثم ينحل ويترك الأمور لهذه الجمعية الوطنية!.. أو يكون هو نفسه في حكم (الجمعية الوطنية التأسيسية) ويتم إلغاء الهيئة الـتأسيسية المقترحة وإحلال محلها (لجنة دستورية) من كبار خبراء القانون الدستوري تكون مهمتها صياغة مسودة الدستور وعرضها على المؤتمر الوطني التأسيسي - بحكم أنه هو الجمعية الوطنية الـتأسيسية - فإذا أقرها المؤتمر الوطني يتم عرضها على الإستفتاء الشعبي العام ...... فإذا وافقت عليها أغلبية الثلثين من الأمة الليبية قُضي الأمر وأصبحت هذه الصيغة هي دستور ليبيا الوطني الجديد ... وعندها - وعندها فقط - يتم فتح الباب لإنتخابات البرلمانية أو الرئاسية لإنتخاب البرلمان الوطني (مجلس الأمة الليبي) إذا كان نظامنا سيكون "برلماني" وإنتخاب الرئيس إذا كان نظامنا سيكون رئاسيا ً.. فشكل نظام الحكم لم يتحد بعدد (برلماني أم رئاسي) وهو لا يتحدد إلا بإقرار الدستور أم نسيتم حتى هذه ؟؟؟!.. فكيف يُقال أن المؤتمر الوطني العام هو (برلمان) قبل تحديد شكل نظام الحكم أولا ً !!؟؟؟.

هكذا هي خطوات الـتأسيس السليمة فهي تبدأ بجمعية وطنية تأسيسية مرورا ً بإقرار الدستور وصولا ً إلى إنتخاب برلمان حاكم يسيطر عليه الطرف السياسي الذي يفوز بأغلبية المقاعد وهو من سيحكم ليبيا حسب أحكام الدستور بإرادة الجمهور إلى الوقت المعلوم!.... أما أن يُقال لنا أن المؤتمر الوطني هو في حكم برلمان فهذا عجيب جدا ً ومضحك جدا ً إذ أننا في مرحلة تأسيسية ولم يتم وضع دستور وطني بعد ولم يتم تحديد شروط اللعبة الديموقراطية والعملية السياسية فكيف إذن ننتخب برلمان حاكم قبل وضع الدستور !!!!؟.. ما لكم !!؟؟؟... كيف تحكمون !!؟؟؟؟.
سليم الرقعي