وداعا فتحي شلوف

إبراهيم عبدالعزيز صهد  بتاريخ   2012-07-05
وداعا فتحي شلوف

وداعا فتحي شلوف ... وداعا أيها الرجل الشجاع ... وداعا أيها الصديق المخلص ... وداعا يارفيق النضال والغربة والمنافي.


تلقيت فاجعة وفاة صديقي ورفيقي فتحي شلوف .. بكل التسليم بقضاء الله وقدره .. وبكل الحزن الذي يعتصر الفؤاد .. وبكل الألم الذي يعتمل في الصدر .. وبما لا تستطيع الكلمات والعبارات أن تصف.
رحمك الله أيها الرجل الذي لا يهاب في الحق لومة لائم .. المعطاء في صمت .. بكل الجد والتفاني .. في كل مواقع النضال ومجالاته .


كان من الرعيل الأول الذي لبى نداء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا .. ومنذئذ استمر يعمل في صمت مجسدا بالفعل شخصية الجندي المجهول .. يقدم جهوده دون كلل .. ويتفاني في الأداء.


فتحي شلوف عرفته في الغربة حين كنا نواجه قسوة الحياة في المنفى .. بعيدا عن الوطن الغالي .. عن الأحبة والأهل .. تتقاصر الإمكانيات في معظم الأحوال .. وتضع حياة الغربة أعباء مضاعفة .. تتكالب حاجات الحياة .. وتحاصرنا ضيق ذات اليد .. وتنهش الأيام شيئا من العمر .. ومن الحلم .. لم ينفع إلا الصبر على المعاناة .. وتَحمُل الصعاب بعزيمة الرجال .. والإصرار على الهدف .. هكذا كان فتحي .. وهكذا كنا.


وعرفته حين كنا نعالج قضية وطن اغتصبه طاغية .. وحين كنا نواجه حكما شرسا لم يترك سلاحا إلا استخدمه ضدنا.. وما يطرحه ذلك من هاجس أمني لا يفارقنا .. أمننا الذاتي وأمن الجبهة ومنتسبيها ، بل وأمن الليبيين المقيمين في الخارج.. عندها كان فتحي ضمن العاملين في جهاز أمن الجبهة وأحد ركائز الجهاز.


وعرفته ركنا من أركان مركز الدراسات الاستراتيجية (مبدأ) الذي أسسناه في الغربة ليعد مختلف الدراسات ويصنف المعلومات عن الحكم الهمجي وعن مجرميه .. هذه الدراسات والمعلومات التي ساهم في إعدادها ثلة من رجال الجبهة منشورة الآن في كثير من المواقع يستفيد منها البحاث وتستفيد منها الأجهزة المختلفة، دون أن يشار إلى جهد رجال الجبهة هؤلاء، ومنهم فتحي.


لم يغب فتحي عن أي من أنشطة الجبهة .. شارك في أعمال دورات المجلس الوطني، وفي استنفار الجزائر، وفي معظم المخيمات التي نظمتها الجبهة .. كان دائما في موقع الفعل .. وبصمت .. وكان دائما في لجان الإعداد والتنظيم للملتقيات .. ولكنه كان أكثر تواجدا في مواقع المحافظة على أمن اللقاءات.. كان دقيق المراقبة والفهم لما يجري .. وعندما جرى اختياره لعضوية المكتب الدائم للجبهة تم تكليفه بمهمة المراقب العام ..


عندما تفجرت ثورة فبراير كان يتصل بي عدة مرات كل يوم .. متابعا حينا، ومعبرا عن قلقه وهواجسه أحيانا، وناقلا للمعلومات الحيوية في أكثر الأحيان، يتابع ما تتناقله وسائل الإعلام ، ويلخصه لي في تقرير شفهي موجز .. يعبر عن غضبه الذي ينفجر كالبركان لتراخي المجتمع الدولي في التعامل مع كتائب الطاغية...


خلال أيام من بداية الثورة جدد بعض روابطه في داخل البلاد، ولا أدري كيف تمكن من تأمين اتصال شبه يومي بعناصر من داخل البلاد، ونتج عن هذه الاتصالات حصولنا على معلومات هامة وحيوية عن مواقع تمركز مرتزقة الحكم المنهار وقياداتها، وعن مواقع أخرى كانت تشكل خطورة على الثورة، وكان يحول المعلومات إلى إحداثيات خريطة غاية في الدقة .. وساهمت هذه الإحداثيات التي أوصلناها إلى قوات التحالف الدولي في تحديد عدد من الأهداف والتعامل معها ..


التقيت معه في طرابلس.. لم نصدق أننا نلتقي على أرض الوطن .. تعانقنا وبكينا وراجعنا بعض الذكريات.. وتواعدنا على اللقاء بعد أيام في بنغازي ..


كان اللقاء في بنغازي .. ولكن في المستشفى .. فقد داهمه المرض .. زرته عدة مرات في المستشفى، وتحادثنا هاتفيا وكان همه ما يحدث في الوطن .. وما يحدث من استعدادات الجبهة للتحول إلى حزب سياسي .. زرته مرة فوجدته نائما، فلم احب أن أوقظه وتركت له رسالة قصيرة .. كانت تلك آخر مرة ..
كان فتحي شلوف أكثر من صديق .. وأكثر من رفيق نضال .. كان أخا .. حزنت لفقده .. عزاؤنا أنه رأى الوطن محررا .. عاد إليه .. وتنسم هواءه .. واستنشق عبير ترابه .. ودع أرض الأجداد والآباء .. لكن الأجل المحتوم كان مقدرا في أرض الهجرة.


رحم الله فتحي شلوف رحمة واسعه وأدخله فسيح الجنان .. وأحر التعازي إلى أل شلوف الكرام وعلى وجه الخصوص إلى أبنائه الأحبه السنوسي ومحمد وعلي ومعاوية وإلى والدتهم .. أقول لهم العزاء واحد ونسأل الله أن يلهمنا جميعا جميل الصبر والاحتساب والسلوان ..


إنا لله وإنا إليه راجعون
إبراهيم عبدالعزيز صهد