الرئيس المصري الجديد محمد مرسي (2)

بشير السني المنتصر   بتاريخ   2012-07-05
الرئيس المصري الجديد محمد مرسي

كانت إنتخابات الرئاسة في مصر عملية مخاض عسيرة ، ورغم الأعتقاد الذي كان سائدا بأن شبكة الاخوان المسلمين التنظيمية في طول البلاد وعرضها لن تتيح لغير أنصار الأخوان المسلمين من الفوز.

ألا أن وجود فئات كثيرة من الشعب ضد الاخوان المسلمين وسياساتهم حول المعركة الأنتخابية الى صراع بين معسكريين بين الاسلاميين والليبراليين الذين هم في نظر الأخوان المسلمين كفارا لأنهم لا يؤمنون بالله أو لا يتقيدون بتعاليم السماء في حياتهم . .لقد كان الشباب ثوار ميدان التحرير الذين فجروا الثورة وأجبروا حسني مبارك على التخلي عن رئاسة الجمهورية يمثلون كل فئات الشعب لكن لم يكن لهم تنظيم حزبي واحد يجمعهم .

ورغم إستمرارهم كقوة ضغط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتحويل ميدان التحرير الى منصة للمعارضة ورفض كل خروج عن مبادئ الثورة ، إلا أنهم ما أن بدأت عملية إنتخابات البرلمان والرئاسة حتى تلاشى صوتهم وتوزعوا، فبعضهم أيد مرشحي حزبه وبقى المستقلون بدون غطاء حزبي أومرشح واحد لهم يعطونه أصواتهم ، فضاعت أصواتهم في خضم أصوات الفريقين المتصارعين الأخوان المسلمون وأنصار الحزب الوطني المنحل حزب النظام السابق الذين رغم حل حزبهم رسميا إلا أنهم لم يعزلو سياسيا كما نادى البعض قبل الأنتخابات .

وهذا الوضع فكرني بوضعنا في ليبيا فأننا نواجه نفس المشاكل والصراع في الانتخابات القادمة سيكون بين الأسلاميين ومنهم الأخوان المسلمين وهؤلاء قوتهم في منطقة برقة التي يحاولون اليوم تحويلها إلى دولة خلافة إسلامية ، والفريق الأخر هم أنصار النظام السابق الذين لا زالوا نشطين وموزعين في كل أرجاء ليبيا وقراها ولديهم الأمكانيات والأموال ودعم الدول المجاورة . وشباب الثورة رغم وجودهم وتمسكهم بسلاحهم إلا أنهم يفتقدون التنظيم الحزبي الذي بجمعهم ومصيرهم سيكون مثل مصير شباب التحرير في مصر لا صوت لهم مؤثر في الأنتخابات .


وفي مصر الأخوان و أنصارالحزب الوطني المنحل قوتان متصارعتان طوال حكم العسكر منذ ثورة 23 يوليو ولكل منهما تنظيمات حزبية وشبكات فروع تمتد لكل قرية ومدينة . ورغم أن الأخوان تعرضوا للقمع في عهد العسكر ولم يعترف بهم كحزب رسمي إلأ ان أنصارهم إستمروا في نشاطهم السياسي والاجتماعي مما أجبر السادات ومبارك على السماح لهم بالمشاركة في الأنتخابات بقدر محدود من المقاعد بلغ 85 عضوا من بينهم الرئيس الحالي محمد مرسي الذي كان الناطق الرسمي للأخوان المسلمين في برلمان مبارك وكان رأيهم يسمع ولكن لك لاصوت لهم في السلطة التي يتولاها الحزب الوطني الرسمي .

وقد ساعد هذين الفريقين الأنفراد بالتنافس تعدد المرشحين المستقلين مما ساعد على إنقسام أصوات انصارهم التي تمثل اغلبية الشعب إلى 11مرشحا مما أجبرهم على الخروج من المعركة الأنتخابية في إنتخابات الأعادة، وأصبح الخيار بين أحمد شفيق ممثل انصار النظام السابق ومحمد مرسي ممثل الأسلاميين، وأنقسم المستقلون في معركة الأعادة فبعضهم صوت لمحمد يسري على أساس أنه أفضل الشرين إي أفضل من عودة أنصار مبارك وأنتهاء ثورة 27 يناير، والبعض الأخر من المستقلين صوت لأحمد شفيق على كونه أفضل الشرين فهو الوحيد الذي قد يوقف الأسلاميين من النجاح والوصول إلى الحكم .


وقد أدى هذا الوضع إلى إنقسام حاد بين الناخبين ولعبت الأشاعات ووسائل الأعلام المتضاربة دورها في أشعال شدة الخلاف ، فأنتشرت إشاعات بان المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم الفعلي لمصر والمسيطر على قوات الجيش والشرطة سيتدخل لصالح اللواء أحمد شفيق فهو منهم وإليهم . كما أن الاعلام المصري الرسمي والشعبي كان مناصرا لأحمد شفيق بشكل صريح خوفا من فوز الأخوان المسلمين ، وإن أمريكا تصر على فوز إحمد شفيق نظرا لعدم ترحيبها أيضا بالأسلاميين كما كان معتقدا من طرف عامة الشعب وحتى بعض الاعلاميين ، ألا أن أمريكا كان لها رأي مخالف وفق سياسة الشرق الاوسط الجديد ، وقيل إن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي ضغطت على جنرالات الجيش بعدم التدخل في الأنتخابات ضد الأخوان المسلمين لوصولها إلى أتفاق سري معهم بعدم المساس بالأتفاقيات المصرية الأسرائلية وإحترام حقوق الأنسان وبالأخص حقوق الأقباط والمرأة والأجانب والسواح وإحترام المصالح والشركات الغربية في إقتصاد حر .


وهكذا ترك الأمر في أيدي شيوخ قضاة المصريين المعروفين بالنزاهة والسمعة الواسعة إقليميا ودوليا ، فحرصوا على نجاح ونزاهة الانتخابات وقرروا نجاح محمد مرسي مرشح الأخوان المسلمين رغم الطعون الكثيرة بفارق بسيط لا يزيد عن 1% .


وأستطاح الرئيس محمد مرسي في خطاب الفوز تطمين كل المصريين بأستقالته من مكتب الأرشاد للاخوان المسلمين ومن رئاسة حزب العدالة الأخواني ، وتاكيده المحافظة على حقوق الأقباط وإرساء الحكم الديمقراطي وتبادل السلطة ، وتكليف رئيس حكومة مستقل ليس من الأخوان المسلمين ومجلس وزراء مختلط . وكان خطابه ناجحا ويختلف عن خطاب رئيسنا الشيخ مصطفي عبد الجليل في يوم التحرير . ومع هذا لاحظ رجال الأعلام الذين لا زالوا غير مطمئنين لحكم الأخوان المسلمين أن خطابه إتسم بالنبرة الأسلامية شبيهة بخطب أئمة المساجد وخاصة عندما استعمل عبارات ، لقد وليت عليكم ولست بخيركم وإن رأيتم فى إعوجاجا فلا طاعة لي عليكم ، ومخاطبة الشعب بأحبتي وأخوتي وغيرها من إقتبساته الاسلامية التي لم نتعود عليها في خطب الرؤساء العرب الحديثة ، ويرى هذا البعض إنه بهذا يلمح لحكم الخلافة الذي ينادي به الأخوان المسلمين .


على كل حال كانت كلمات الرئيس محمد مرسي بعد النجاح في الانتخابات وفي ميدا التحرير وجامعة القاهرة وأمام المحكمة الدستورية العليا التي اقسم اليمين أمامها رغم أنه وعد قبل فوزه بقسم اليمين أمام مجلس النواب المنحل ، كلها تجنح إلى التعاون والأشادة بالقضاء المصري ودور الجيش وقوات الامن ورجال الاعلام وجميع فئات الشعب التي عددها بالأسم كما انه وعد العالم الخارجي بانه سيحافظ على المعاهدات الدولية وحقوق الأنسان والأتفاقيات الثنائية مع إسرائيل وعدم فرض الحجاب على المرأة وأحترام حريات السواح الأجانب واعتبار الأقباط مواطنبن كغيرهم من المواطنين المسلمين وعدم إستعماله لعبارة أهل الدمة التي تستعمل في لغة الاسلاميين ، واكد كل ما تطالب به أمريكا من الحكام العرب وما تقتضيه الدبلوماسية . ولهذا يتعذر فهم أرائه ومذهبه وسياسته التي سيتبعها على حقيقتها خاصة إنه يؤ كد دائما تمسكه وإعتزازه بمبادئ جماعة الأخوان المسلمين رغم إستقالته منها . وتوالي تصريحات الناطقين بأسم الأخوان بتأكيد دورهم في سياسة الرئيس القادمة . ويرى البعض إن حكمه سيتميز بالأعتدال ولن ينجرف مع التيار الاسلامي المتطرف فهو عليم بالحكم الديمقراطي في الغرب وقد درس ودرس في اهم الجامعات الأمريكية ولا يتوقع أحد علم الأمريكيين أن يختلف معهم أو يسلك سياسة لا تتمشى والمبادئ الامريكية في الديمقراطية وحقوق الانسان . كما أن أولاده يتمتعون بالجنسية الامريكية لأنهم ولدوا في امريكا وقد رفض هو بدوره الجنسية الأمريكية التي عرضت عليه .


وأمام الرئيس محمد مرسي مشكلة التعامل مع أحكام محكمة القضاء الأداري في قرار حل مجلس النواب الأخواني ، والتعديلات الدستورية التي أعلنها المجلس العسكري قبل إعلان نتيجة الانتخابات التي تحد من سلطاته في المجالات العسكرية والمالية وعدم إعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة وأشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إعلان الحرب وغيرها من القرارات الهامة التي تمس امن البلاد ، كما تقرر التعديلات تولي المجلس العسكري للسلطة التشريعية حتى إنتخاب مجلس نواب جديد ، وحق المجلس العسكري في أختيار الجمعية التأسيسي لوضع الدستور إذا حكم القضاء بعدم دستورية الهيئة التأسيسية الحالية التي أشرف على تأليفها مجلس النواب المنحل . وموقفه من هذه المشاكل غير واضح فقد أعلن تأكيدة لأستقلالية السلطة القضائية واحترام أحكام القضاء والأشادة بقضاة المحكمة الدستورية العليا وقد أقسم رئيس المحكمة الدستورية العليا ورئيس محكمة القضاء الجدد وكان تقاعدهما روتنيا و مقررا قبل إنتخابه نظرا لبلوغ سلفهما عمر التقاعد وليس له رأي في هذا التعيين كما يعتقد غير العارفين من فئات الشعب الذين أعتبروه أنجازا إصلاحيا .

لكنه في نفس الوقت أعلن في خطابه في ميدان التحرير إنه لن يقبل أي قرار بإنقاص لسلطات رئيس الدولة أو أي سلطة منتخبة أشارة ألى التعديل الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري الذي لا زال امام القضاء . كما أنه دعا كل أعضاء مجلس النواب المنحل في إحتفال تنصيبه رئيسا في جامعة القاهرة . وعلى كل حال مصر اليوم أكثر إستقرارا مما كان متوقعا وستسير الأمور إلى الاحسن ويتم أنتخاب البرلمان الجديد ويتم نقل كل السلطات إلى الحكومة المدنية إذا عم الوفاق بين الساسة والمؤسسة العسكرية التي تعتبر دولة مستقلة في داخل الدولة المصرية والتي لن تتنازل عن إمتيازاتها بسهولة بعد أن خسرت سلطات رئيس الدولة التي تمتعت بها في عهود الرؤساء العسكريين ناصر والسادات ومبارك .


بشير السني المنتصر