المؤتمر الوطني العام وتركة المجلس الانتقالي

د. يونس فنوش   بتاريخ   2012-07-15
المؤتمر الوطني العام وتركة المجلس الانتقالي
بعد الثورة المباركة، كان التعبير الشائع على ألسنة الليبيين عموماً هو تعبير (تركة القذافي) أو (تركة النظام المقبور)، وكان المقصود بذلك هو إدراك حجم التركة التي ورثناها من ذلك النظام، وما سوف تتطلبه محاولة التعامل معها وعلاج ما حفلت به من سلبيات وتراكمات مدمرة، من وقت وجهد وإمكانات مادية وبشرية... ويؤسفني شديد الأسف أن أجدني مضطراً، ونحن نتهيأ لطي الصفحة التي تولى فيها هذا المجلس المسؤولية وأدار شؤون البلاد، للحديث عن (تركة المجلس الوطني الانتقالي)، التي سوف يرثها المؤتمر الوطني العام المنتخب، وسوف يكون عليه أن يبدأ على الفور في معالجتها وإيجاد الحلول المناسبة لما تسببه من مشكلات وآثار سلبية.


وإني أرى أن على المؤتمر الوطني أن يباشر فوراً إعادة النظر في مختلف القوانين والقرارات التي أصدرها المجلس الانتقالي، للنظر في مدى دستوريتها وسلامة الإجراءات التي ابتعت في إصدارها.. ولعلي أقترح أن يكون أول ما ينبغي أن ينظر فيه المؤتمر الوطني ذلك القرار أو التوصية التي أصدرها المجلس الانتقالي في اللحظات الأخيرة قبل فتح صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء المؤتمر الوطني، وظن أنه يمكنه بذلك أن يستبق عمل المؤتمر الوطني المنتخب، وأن يضعه أمام أمر واقع، لن يكون بإمكانه تجاهله أو عدم الاعتراف به. وأعني بذلك ذلك القرار الذي أشيع أنه تعديل على الإعلان الدستوري، ويقضي بجعل قضية اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع مسألة (فوق دستورية) أي أنها تعلو على الدستور نفسه، ولا تكون قابلة لأي نظر أو تعديل، ويقضي بجعل تشكيل الجمعية التأسيسية يتم بطريق الانتخاب.


وأرى أن هذه القرار أو التوصية هو قرار باطل بجميع المعايير: فمن جهة هو باطل بالمعيار الإجرائي، إذ اتخذ في جلسة للمجلس الوطني لم يتوفر فيها النصاب المنصوص عليه في الإعلان الدستوري، إذ كان حاضراً في تلك الجلسة حوالي 35 عضواً، من أغلبية الثلثين التي تبلغ 66 أو 67 عضواً، وعلم أن التصويت لم يتم بإجماع الحاضرين.. ومن جهة أخرى هو باطل لأنه اتخذ بعد انتهاء صلاحية المجلس الوطني لاتخاذ أي قرارات جديدة؛ إذ اتخذ بعد بدء العملية الانتخابية بثلاثة أيام.. ومعلوم أن أي سلطة تشريعية لا يعود لها صلاحية اتخاذ أي قرارات أو إصدار أي قوانين، بعد انتهاء ولايتها، والشروع في انتخابات السلطة التشريعية التالية.


لا نريد أن نتوغل في التحليل والمضي به إلى آفاق التشكيك في النوايا والدوافع التي كانت وراء ذلك الاستعجال في اتخاذ هذه الخطوة.. ولكننا نريد أن نركز فقط على دعوة المؤتمر الوطني لأن يعد هذا القرار لاغياً وباطلاً، وألا يلتفت إليه، أو يرتب عليه أي آثار.


أما النقطة الثانية التي سوف تنبني على هذه النقطة الأولى فهي اتفاق أعضاء المؤتمر الوطني المنتخب على الإبقاء على ما كان تم الاتفاق عليه وهو جعل تشكيل الجمعية التأسيسية أو اللجنة التأسيسية يتم بطريق الاختيار، ودعوة المؤتمر لأن يتبنى معايير محددة لاختيار من يعينون في هذه اللجنة، وأن يطلق عملية حوار وطني شاملة حول ملامح الدستور أو العقد الاجتماعي الذي نريد أن نؤسس عليه دولتنا الجديدة، بحيث يتم بلورة ملامح توافق وطني شامل، يستجيب لتطلعات شعبنا بكل فئاته ومكوناته الاجتماعية والثقافية، تستند إليه لجنة إعداد الدستور في عملها الفني المتعلق بصياغة مواد الدستور في صورتها النهائية.

وإني أتطلع لأن يتمكن المؤتمر الوطني المنتخب، وهو يتكون من عناصر شهد لها المواطنون بالجدارة والكفاءة، نعرف كثيرين منهم معرفة شخصية مباشرة، ونشهد لهم بالوطنية والكفاءة، من تشكيل لجنة أو هيئة وطنية للحوار الوطني حول الدستور، تشرع فوراً في إدارة عملية حوار شاملة ومنهجية، تهدف بالدرجة الأولى إلى طرح القضايا التي نعرف أنه يمكن أن تكون مواضع لاختلاف الرأي أو الاجتهاد، حتى يطلع الناس على مختلف الآراء والاجتهادات، فيعرفوا مزاياها ومساوئها، أو إيجابياتها وسلبياتها، فيتمكنون من حسم خياراتهم بشأنها.
وأرى أننا يمكن أن نستثمر مختلف الوسائل المتاحة، ومنها:

1- المطبوعات التي تقدم للمواطن العادي معلومات أساسية حول المفاهيم والمصطلحات التي سوف يتم تداولها في الحوار. ونرى أن تصاغ هذه المطبوعات في لغة بسيطة سهلة، ومدعمة بالرسوم والأشكال التوضيحية، والأمثلة العملية..إلخ، وتوزع مجاناً على أوسع نطاق ممكن.

2- المحاضرات والندوات وحلقات البحث والحوار: ونرى أن يشكل المؤتمر الوطني من بين أعضائه أو من غيرهم من المختصين فرق عمل، تتحرك حسب خطة مدروسة بحيث تصل إلى التجمعات السكانية حيث هي، ومهما كان حجمها.

3- المادة الإعلامية الموجهة لتوعية المواطنين ببعض المفاهيم والخطوات التي سوف يدعون للمرور بها عند الانتخابات: مسموعة ومرئية.

4- جلسات الحوار المسجلة، التي تتناول مختلف القضايا المطروحة، وتعمم على مختلف التجمعات السكانية، والشرائح المهنية، لعرضها على الجمهور.

وأرى أنه قد يكون من المناسب تخصيص قناة تلفزية للحوار الوطني، أو تخصيص مساحات كافية في إحدى القنوات الرسمية لهذا الغرض، تعنى بتقديم المعارف الأساسية المتعلقة بالقضايا المطروحة، وإتاحة الفرصة للمواطنين للاستماع إلى الآراء المختلفة، كما يعبر عنها أنصار ومؤيدو كل رأي، ليستمعوا ويتبينوا الحجج والأدلة التي يدعم بها كل صاحب رأي أو اجتهاد رأيه واجتهاده.

وبالطبع سوف يكون على المؤتمر الوطني إيجاد الطرق المناسبة لمعالجة مظاهر العجز والفشل التي كانت السمة السائدة لأداء الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها، وذلك بإحسان اختيار من يكلف بتشكيل الحكومة الانتقالية التالية، والحرص كل الحرص على البعد عن اعتبارات الجهوية والمحاصصات المختلفة في اختيار أعضائها.. وإذا جاز لنا التخصيص فإني أخص بالذكر إحسان اختيار من سوف يكلفان بوزارتي الدفاع والداخلية، فهاتان الوزارتان سوف يقع عليهما العبء الأكبر في إعادة بناء الجيش الوطني وأجهزة الأمن، من أجل التمكن من فرض هيبة الدولة وسيطرتها على أمن المواطنين وأمن الحدود ومنافذ البرية والبحرية والجوية، الأمر اللازم والضروري لإمكان تفعيل جهاز القضاء..


ندعو لمؤتمرنا الوطني بالتوفيق، ونحيي أبناء شعبنا الذي أثبت مستوى راقياً من الوعي بأهمية إنجاز الانتخابات في طريق وضع الأسس لبناء دولتنا الجديدة: ليبيا الحرة المدنية الديمقراطية.

د. يونس فنوش