المشهد السياسي الليبي بعد نتائج انتخابات المؤتمر الوطن العام توجسات في كل الاتجاهات

إسماعيل القريتلي   بتاريخ   2012-07-22
المشهد السياسي الليبي بعد نتائج انتخابات المؤتمر الوطن العام
توجسات في كل الاتجاهات
إسماعيل القريتلي
ليس مستغربا أن نرى مشهدا سياسيا ضبابيا في ليبيا بعد الإعلان عن نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام. فمن منطلق موضوعي من المهم أن ندرك أن ما حدث في ليبيا حتى الآن يعتبر مسار ثابت نحو التحول السلمي تجاه الديمقراطية فكل ما يتم الحديث عنه بين الأفرقاء السياسيين من تجاوزات انتخابية تتعلق بأساليب وأدوات المنافس السياسي ولم تتجه للجهة الرسمية المشرفة على العملية الانتخابية وهي المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو للشعب الذي اختار بحسب ما تراءى له قبل وأثناء الحملة الانتخابية.

وبسبب حداثة التجربة السياسية في ليبيا التي تؤسس على الديمقراطية حيث تقدم الأحزاب والشخصيات بعض الرؤى وإطارات لبرامج انتخابية فإن الناخب الليبي لم يسيس بالدرجة التي يراقب فيها تلك الرؤى والبرامج بل اتجه بحسب ما يرشح من شهادات مجتمعة إلى من يعتقد أنه يمكن أن يكون في شخصه منتجا للحلول لعديد المشاكل ومصدرا للأمان.

عمليا تم ملاحظة اتجاهات قد تبدو سياسيا متناقضة إذ يتوجه الناخب ليختار قائمة تتبع وفق تصنيف النخبة السياسية اتجاها فكريا ويختار في الأفراد مرشحا يتناقض مع ذلك الاتجاه دون أن يشعر ذلك الناخب بأدنى ارتباك من اختياره بل يعبر عن ارتياحه لأنه اختار بين القوائم والأفراد الأفضل له ولليبيا. وهذا ربما يدعم الاتجاه التفسيري الذي يسقط تأثير الثنائيات الفكرية في انتخابات المؤتمر الوطني العام كما سقطت في عديد الانتخابات المحلية.

وهنا تبرز أمامنا حالة افتراق بين الناخبين والقوى السياسية فالأخيرة تحاول جاهدة إعادة رسم المشهد السياسي بعد نتائج الانتخابات وفق تلك الثنائية في محاولة منها لنصرة أفكارها أو التبرير لها بمهاجمة أفكار الخصم السياسي. وهذا ظهر جليا في عناوين البرامج التلفزيونية ومصطلحات الأطراف السياسية وتعبيراتهم التي ظهر فيها جليا المناكفة السياسية بينهم للحد أن بعضهم جزم بأن الناخبين صوتوا للفكر والاتجاه السياسي ليستنتجوا أن الشعب يرفض خصومهم السياسيين جملة وتفصيلا. وانبرى بدورهم الخصوم في الرد عليهم من خلال الاتهام وربما وصلت بعض التعبيرات حد التخوين ونفي الوطنية.

من الناحية الإحصائية في القوائم تحصل تحالف القوى الوطنية على أعلى نسبة من الأصوات تلاهم حزب العدالة والبناء القريب من حركة الإخوان المسلمين غير أن التحليل لتلك الأرقام يمكن أن نلاحظ أن التحالف هو مكون واسع جدا لأحزاب وشخصيات ومؤسسات مجتمع مدني لا يمكن أن تفكك ما تحصلوا عليه لتوزعه بينهم في حين أن العدالة والبناء والاتحاد لأجل الوطن والجبهة الوطنية وغيرها من الأحزاب تحصلت بشكل منفرد أرقامها مما يجعل التحالف أمام إشكالية الاختلاف الداخلي مما قد يفتت مشهده السياسي.

والحساب الأولي يظهر أن حزب العدالة والبناء يمكن أن يكون أكثر التيارات السياسية للمرشحين الأفراد قبل الدخول في أي تفاوض سياسي قد يرجح كفة حزب عن آخر.

ومع استمرار الجدل بشأن قراءة نتائج الانتخابات فإن الجدل يتسع بين التيارات السياسية المؤكد دخولها إلى المؤتمر الوطني العام فنلمح من بعيد تأثيرا واضحا للأفكار والتوجهات حتى الدينية منها في إعادة توزيع الفاعلين السياسيين وكأن اختيارات الناخبين لن تؤثر في تشكيل المشهد السياسي القادم فما يرشح من جلسات التشاور والاتصال يوحي إلى حد ما من معالم مشهد سياسي يتأسس على الثنائية الإسلامية والليبرالية فكلا الطرفين استخدم وسائل اتصاله مع الناخبين بعد النتائج ليؤكد أن مخالفه إما ليبرالي علماني أو إسلامي.

وهذا ظهر في بعض خطب الجمعة التي استخدم منابرها منتسبين للإسلاميين في وصف تحالف القوى الوطنية بشكل خاص بالعلمانية بل اتجه أحد الخطباء إلى تأثيم من صوت للتحالف. ومقابل ذلك نرى بين من ينسب نفسه اليوم للتيار الليبرالي يفسر نتائج الانتخابات أنها هزيمة للإسلاميين وأن الناخبين صوتوا لهم لأنهم يقدمون برنامجا تحمى فيه الحرية ويرفض فيه التشدد. ولكن كلا الطرفين قد يجد صعوبة في تفسير ما ذكرناه أعلاه من أن الناخب صوت للطرفين في آن واحد.

ويلاحظ أيضا أن ذلك الجدل الثنائي أوجد مناخا تقوده المعلومات غير المؤكدة والأخبار التي يصعب التثبت من صحتها بالأدوات المهنية فغياب مصادر معروفة لها يجعل من المستحيل الاعتماد عليها في التحليل ولكنها تتداول بشكل موسع في كلا الخندقين، ومن المتوقع أن تؤثر تلك المعلومات في تعميق التوجسات المتبادلة للدرجة التي بتنا نسمع أخبارا عن اتهامات بالتزوير في كل الاتجاهات للدرجة التي يصعب عندها التوقف لتفسر تلك الاتهامات حيث تجد أن المنطلق فيها غرائزي يتأسس على الخوف المبالغ فيه من الآخر حتى وصل الأمر إلى اتهامات تتعلق بالتآمر مع الخارج تجدها في الاتجاهات في إشارة إلى أن أدوات اللعبة السياسية لم تتأسس بعد بشكل مؤثر بين النخبة في المشهد السياسي الليبي.

من أهم التحديات التي يجب أن يتفطن لها كل الأفرقاء فيما يتعلق بالعملية الانتخابية هو إنهاء جدل النتائج سريعا بعد الإعلان عنها نهائيا إثر اكتمال الطعون والبت فيها من القضاء أو المفوضية كل بحسب اختصاصه. وتجاوز ذلك الجدل يدخل ليبيا في بحبوحة سياسية ستسهل نسبيا مسألة تشكيل الفريق الحكومي الذي يمثل التحدي الثاني للخصوم السياسيين فأي تأخير في تشكيلها وقبلها في إعلان النتائج يدخل البلاد في فراغ سياسي قد ينتهي إلى فراغ أمني ويضيق من مساحة الملعب السياسي ما قد يقود إلى احتراب بين الكتل السياسية تستخدم فيه القوة المسلحة.

ولعل من ضرورات المشهد السياسي الاتجاه لبنائه بالتفاوض بين مختلف الأفرقاء السياسيين على توزيع الحقائب الوزارية واللجان المقابلة لوظائف تلك الوزارات في المؤتمر الوطني العام فمن يتحصل على وزارة المالية لا يصح ديمقراطيا أن يترأس لجنة المالية في المؤتمر الوطني العام فالوزارة تنفيذية واللجنة تراقبها وتستمع إليها ويصل دورها لحد التوصية بحجب الثقة عن الوزير مثلا.

إن هذا التوزيع المتوازي للوظائف الحكومية والتشريعية يعزز الحياة الديمقراطية في ليبيا. دون أن نغفل عن أهمية أن يستكمل المشهد السياسي ببروز معارضة داخل السلطة قوية تتواصل بشكل أوسع مع المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني.

ومما يدعم الاستقرار واستمرار التوافق الوطني المحيد للسلاح أن يميل المؤتمر الوطني إلى انتخاب لجنة الستين مع وضع معايير موضوعية لمن يترشح للجنة تضمن التنوع والخبرة.

وأخيرا لا يتوقع في مرحلة المؤتمر الوطني العام أن نشهد حالة تغييرية واسعة في المشهد الاجتماعي والثقافي يسرع من إشراك شرائح المجتمع في الخطاب والأداء السياسي من خلال علاقة تفاعلية مع الدولة متمثلة في المؤتمر الوطني والحكومة وربما تنجح المعارضة في تبني خيار إدماج المجتمع في العملية السياسية من خلال التواصل المباشر والمستمر معه ورفع مطالبه في شكل أداء مواقف سياسية.

ولا يتوقع أن نشهد تطويرا واسعا للديمقراطية في ليبيا ليس بسبب فهم أو أداء المجتمع فالواضح أن الشعب حتى الآن يتقدم بنقاط كثيرة عن التيارات السياسية والمؤسسات الإعلامية والمنابر الدينية في عمومها التي تعتمد خطابا تقليديا أبعد ما يكون عن التقدمية والتنور. لكن ستحقق تلك التيارات بعض النقاط في حال طوت صفحة النتائج ونجحت في تشكيل الفريق الحكومي.