التحالفات السياسية المعلنة ...وغير المعلنة

سمير السعداوي  بتاريخ   2012-05-12
تقتضي المرحلة الانتقالية انتاج وفاق وطني على خطة تنمية شاملة للبلاد، للنهوض بها على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووضع اسس بناء دولة القانون والمؤسسات المنشودة. ولا يقوم الوفاق الوطني الا عبر البحث عن القواسم المشتركة ونقاط التلاقي بين المواطنين جميعاً، وهي مهمة لا يمكن ان يضطلع بها الا قادة وطنيون يملكون رؤية شاملة وفهماً سياسياً عميقاً.

وبطبيعة الحال، لا تنطبق مثل هذه المواصفات على مؤتمر وطني تأسيسي ينتخب اعضاؤه على اساس أضيق الصيغ التمثيلية، كما يصر المجلس الوطني الانتقالي ممثلاً برئيسه.

ان برلماناً تأسيسياً منتخباً على أسس جهوية ضيقة، لا ينتج سوى الخلافات والتجاذبات بين اعضائه، ذلك ان كلاً منهم يتحدث لغة خاصة به، ولا يجمعهم فكر سياسي مشترك.

غني عن القول ان برلماناً تأسيسياً كهذا، ينتج فراغاً سياسياً يضاف الى الفراغ القانوني الذي تعانيه البلاد في المرحلة الانتقالية. ولأن علم الفيزياء يعلمنا ان الفراغ امر غير ممكن طبيعياً، فان قوة ما ستسارع الى ملىء هذا الفراغ تلقائياً، قوة سيفاجأ المواطنون بانهم لم ينتخبوها لتقرر عنهم، ولا يعرفون كنهها ولا خلفياتها ونواياها، بل هي عبارة عن ايادي تحرك خيوط اللعبة من خلف الكواليس.

انتفضنا ضد الدعوة الى الفيدرالية، فلم نجد في المجلس الانتقالي سوى حليفاً هزيلاً يهدد ويتوعد حيناً ويتراجع ويناور احياناً، دون ان يعالج المطالب المحقة للسادة الذين دعوا الى الفيدرالية، وهي المطالب التي دفعتهم الى هذا الخيار الصعب، ومنها التهميش والاقصاء والشللية والمحسوبية والمركزية البغيضة الخ... وبدل مكافحة تلك الظواهر، اخذ المجلس يعممها ويرسخها حيث أمكن، بتخبطه في الرؤية وتفرده في القرار، وكأنه بذلك يستدعي دعوات مماثلة في مناطق أخرى من البلاد، او كانه يعمق الشرذمة بين المواطنين ويسير بهم الى وضع، تبدو معه الفيدرالية، طرحاً اكثر وطنية واكثر امناً على الوطن ومستقبله.
ولأننا ما تعودنا طرح مشكلة من باب إشاعة الاحباط والتشاؤم لدى الناس، فانه لا بد من اعادة التذكير بالحلول التي سبق وان سقناها من باب الترقب، قبل نشوء المشكلة بأشهر عديدة، وهي ضرورة صوغ قوانين الاحزاب والتكتلات السياسية على أسس سليمة، بما في ذلك صيغة تمويل الدولة للاحزاب في هذه المرحلة الانتقالية ووضع شروط لقيام تكتلات سياسية تحظى بتواجد فعلي على صعيد وطني شامل، وذلك لتفادي الاحتكار واغلاق الباب امام الانتهازيين والمتسلقين على كثرتهم.

هذا ناهيك عن تنظيم مؤتمرات لقوى الشباب وفاعليات المجتمع الوطني، تنتج عنها لجان لصوغ رؤى ومقترحات للمرحلة الانتقالية، واقامة ندوات تثقيفية يستدعى اليها خبراء واختصاصيون من الخارج والداخل، لتوعية الشباب حول حقوقهم وواجباتهم، والسبل الفضلى لتحقيق تطلعاتهم في المشاركة السياسية الفاعلة والتفاعل مع الآخرين من ابناء الوطن.

اذا تحققت المشاركة السياسية على اسس سليمة، يمكن تحمُل مجلس تأسيسي يضم تياراً سياسياً او تيارين او ثلاثة، لكن من المستحيل السير بمجلس يوازي عدد التيارات فيه حجم اعضائه، فيكون هكذا مجلس اشبه ببرج بابل يتحدث قاطنوه، كل لغته الخاصة، ويحتاجون الى مترجمين ليفهم بعضهم البعض.

نحن اليوم نسير نحو استحقاق انتخابي هزيل شكلاً ومضموناً، وكأنه مطلوب من الناخبين ان يكونوا مجرد "كومبارس" او جزءاً من الديكور في مسرحية سيئة الأخراج، يسيّرها أشباح من وراء الكواليس. وتكون دماء الشهداء وتضحياتهم ذهبت سدى. والله المستعان.

سمير السعداوي