إننا يا ليبيا لن نخذلك

محمد بشير البرغثي  بتاريخ   2012-07-31
الثورة الليبية ثورةُ شعبٍ بامتياز، شعب أراد الحياة فاستجاب له القدر.
"الشعب يريد إسقاط النظام" هكذا كانت البداية واضحة وجلية، أما لماذا؟ فذلك لأن النظام برمته كان نظاماً ظالماً وفاسداً ومن دون حاجةٍ إلى قولٍ آخر فإن الشعب الذي أراد إسقاط النظام أراد أيضاً إقامة نظامٍ جديد لا مكان فيه للظلم أو للفساد، نظام يسوده العدل والرفاه والحرية والديموقراطية.
ثار الشعب عن بكرة أبيه من أجل رفع الظلم الذي لم ينج من طائلته أحد وثار كذلك من أجل القضاء على الفساد الذي لم يخف على العباد، ولأن الظلم الذي لحق بالشعب والفساد الذي عمَّ البلاد كانا نتيجة حكم طاغية فما كان يمكن لذلك الظلم أن ينزاح أوللفساد أن يُباد من دون إسقاط الطاغية.
تمكَّن الشعب بكثير من التضحيات من إسقاط رأس النظام،لكن ذلك لم يمنع من أن يظهر للنظام رأس آخر بل رؤوس أُخر، فلا يزال لنظام الطاغية أعوانٌ يتحركون في ميدان معركة المصير، ولا عجب، ذلك أن الطاغية نجح منذ بواكير إغتصابه مصير الوطن في تأسيس منظومة جبارة تمارس الظلم البشع على الجميع من دون تمييز وتمارس الفساد والإفساد، رأيناهم يُنفِّذون الإغتيالات ويدبِّرون الهجمات والتفجيراتويهدِّدون أمن الوطن وأمانهويعترضون قيادات المرحلة الإنتقالية متذرعين بمطالب وطلبات ينالونها منهم تحت تهديد السلاح، ورأيناهم يحاولون تخريب مشروع ديموقراطية الإنتخاب الأول من نوعه في البلاد بعد إنقضاء أكثر من نصف قرن من الزمان، وما خفي قد يكون الأفضع، إنهميزرعون بيننا الفتن ويوغرون صدور بعضنا على بعض، ألا خيَّب الله مسعاهم، نراهم يوهمونالفدراليين بأننا لسنا منهم وليسوا منا، ويوهموننا أن البرقاويين هم جميعهم فدراليون وانفصاليون، يحاولون زرع بذور الإنشقاق ويتناسون أن برقة هي ليبيا، فأي شارعٍ من شوارع أصغر قرية من قرى برقة لا تجد فيه قبائل تمتد جذورها إلى غرب البلاد وجنوبها ووسطها! وأي عائلة من عوائل برقة لم تكن إلا نسباً وصهراً من كافة قبائل ليبيا! وأي معركة من معارك برقة لم تمتزج فيها دماء الليبيين من كافة مدن وقرى ليبيا! ألم يكف هؤلاء المغالطين أنه ما كانت ليبيا لتنتصر في 24 ديسمبر من عام 1951 لو لم تنتصر برقة بكافة تركيباتها الإجتماعية والقبلية في 01/06/1949؟!، وهل غاب عن أولئك المارقين أنه لو لم تنتصر برقة بكافة مكوناتها الإجتماعية في 17/02/2011 لما انتصرت ليبيا في 20/10/2011؟! وهل كانت برقة ستنتصر لو لم تمتزج دماء قبائل ليبيا من كافة أرجائها في معتقلات العقيلة ثم في سجن بوسليم وأيضاً على متن طائرة بنغازي المنكوبة وعلى أسرة مستشفى أطفال بنغازي وعلى أسوار كتائب أمن الطاغية في بنغازي والبيضاء وشحات ودرنه وغيرها؟!، أفبعد ذلك كلِّه يقولون أن الفدراليين وهم بعض برقة يريد الإنفصال عن كلِّ ليبيا؟!، أليس البرقاويون بكافة أطيافهم الإجتماعية وتوجهاتهم الفكرية والسياسية هم من ذرفت عيونهم دموعاً ودماءً حسرةً وأسفاً على تنكيل كتائب الطاغية بإخوتهم في غرب البلاد وجنوبها. ألا يعلم مروجوا الفتن أننا وأولئك الفدراليين، كنا ولا نزال في خندقٍ واحد؟!، تراصت صفوفنا في سبيل دحر الطاغية ونحن وهم نجمع الصفوف لتحقيق حلم الحرية والعدالة التي ثرنا جميعاً لأجلها، وكما انتصرنا فيما سبق فإننا بعون اللهجميعونا دائماً منتصرون، كيف لا؟! ونحن نقاتل من أجل غاياتٍ مشتركة، وكلاً خاض المعركة من منظوره، فلئن كان الفدراليون رأوا أن العدل والمساواة لا يتحقق من دون مقاطعة الإنتخابات لأنها لم تحقق العدالة في توزيع المقاعد، فنحن رأينا على العكس من ذلك أن الإنتخاب هو طريقنا وهو أملنا لتحقيق العدل والمساواة والرفاهفاخترنا من توسَّمنا فيه الصلاح والعزم على الكفاح من أجل تحقيق غايات هذه الثورة التي باركها الرحمن الرحيم منذ لحظة انبلاجها، وحتى لو لم نحسن من دون قصد الإختيار وتسلل عن طريق صناديق الإقتراع بعض المتلونين المتسلقين الذين أظهروا لنا خلاف ما يضمرون فإننا لا نزال نُمسك بأهمِّ خيارٍ وهو خيار القدرة على إسقاط من يخون الأمانة التي حمَّلناها له.
والآن وبعد أن استجاب العقلاء لطلب الفدراليين فأصدروا قانون المساواة في توزيع كراسي الهيأة التأسيسية التي سترسم لنا خارطة الدولة التي نريد لا بد لنا من جلسة أخوية ناضجة لنضع النقاط على حروف انتخاب العشرينات الثلاثة وأن نتفق على شرطٍ واحد لا أكثر للإختيار فيكفي أن يكون الهمَّ الأول والأخير والوحيد لكل واحدٍ من عشريناتنا عزة ليبيا ووحدتها.
إن الثورة لم تنته وحرب التحرير لا يمكن لها أن تضع أوزارها قبل أن يُتِمَّ الشعب تدمير منظومة الظلم والفسادويصنع دولة المؤسسات التي يسودها الأمن ويُحتكمُ فيها إلى القانون، وكما بدأنا الثورة معاً لابد لنا من أن نُتمَّها معاً.
هذه مرحلة حاسمة في مسيرة الثورة نحو بناء الدولة التي نتطلع جميعاً، أفراداً وجماعات، شيباً وشباباً، ذكوراً وإناثاً، إلى إقامتها، دولةٍ دستورية ديمقراطية يتم تداول السلطة فيها سلمياً، دولة مؤسساتية تسعى إلى إقامة العدالة الإجتماعية والإقتصادية والمساواة وتعمل على إستتباب الأمن والتعايش السلمي وتجعل من القضاء النزيه الذي لا سلطان عليه إلا للقانون الفيصل في فض النزاعات، دولة تبذل كل الجهد لتقوية اللُّحمةِ الوطنية ونبذ الجهوية وتُقدِّر دور القبيلة كمظلة إجتماعية دون إعتبارها أو إتخاذها أساساً لفرز واختيار ممثلي الأمة أو تولِّي الوظائف العامة.
ما نحن بحاجة إليه الآن من أجل تحقيق هذه الأهداف النبيلة،نحن وأنتم أيها الفدراليون، ليس فقط، سنِّ تشريعٍ ينظِّم أمرها, بل إن ما نحتاجه بالإضافةِ إلى ذلك هو العمل الجماعي المنظَّم لمراعاة أهداف الثورة والعمل على غرسها في ضمير الأمة، وجعل كلُّ مواطنٍ يؤمن بها ويقدِّسها ويناضل من أجل تحقيقها ويدافع عنها بصوتٍ مُرتفع وأمام الكافة.