ليبيا مش للبيع يا طويل العمر!

حسين التربي   بتاريخ   2012-08-08
ليبيا مش للبيع يا طويل العمر!
خلال شهور احتدام المعارك بين من يدينون بالولاء لليبيا وبين من يدينون بالولاء لملك ملوك افريقيا، احتجنا نحن افراد الشعب الليبي الشرفاء لمساعدة الآخرين لنا، لأننا كنا نقف ضد آلة حرب ودمار قذافية مهولة..ولأن عدد من دافعوا عن ليبيا الشرف والكرامة وسقطوا برصاص الغدر بدأ يزداد..وكذلك ازداد عدد جرحانا ومفقودينا وعدد بيوتنا المدمرة ونسائنا المغتصبات. كانت خسائرنا في ازدياد بسبب تعنت آل القذافي وتشبتهم هم ومؤيديهم بمناصبهم ومكتسابتهم التي وضعوها فوق مصلحة الوطن.
الجميع يعلم أنه كان باِمكان القذافي أن يعلن تخليه عن كل مناصبه وكان باِمكانه ايقاف نزيف الدم وهدر ثروات الشعب والأمر بتشكيل حكومة جديدة واظهار ولو قليلاً من المرونة والحنكة السياسية والحكمة من أجل انقاذ ليبيا، هذا اِن كانت لديه بالفعل غيرية على ليبيا واِن كان بالفعل تهمه مصلحة الليبيين وليبيا..ولكنه لم يفعل ربما لأنه أدرك أن "هادي آخرتها" وأن الشعب الليبي سيفعلها هذه المرة ولن يصدقه ولن يثق في كلامه مرة أخرى.
أصر القذافي على أن يثبت للعالم تمسكه بمقولة "انا ومن بعدي الطوفان" ولم يرد تجنيب ليبيا كل هذا الدمار الذي حلّ بها..بل أصر على أن يثبت للعالم أن مقولة "فاقد الشئ لا يعطيه" كانت متجسدة فيه هو شخصياً.
ظهر علينا متحديا متعجرفاً وفاقداً للحكمة وللحنكة كما عوّدنا على ذلك..وهددنا بالبحث عن ثوارنا الشرفاء دار دار وزنقه زنقه..وأدعى أنه هو من بنى بنغازي طوبه طوبه، ولذلك أعتقد أنه يحق لها تخريبها فوق رؤوس آهاليها راس راس. ومع اصرار الشعب الليبي على افتكاك حريته وكرامته المغتصبة منذ انقلاب سبتمبر الاسود ولو بالقوة، ازداد عنف ووحشية كتائب القذافي ضد الشعب الليبي الاعزل الذي لم يجد طريقاً أمامه سوى الشكوى لله اولا ثم لجامعة الدول العربية التي أشك في انها كانت ستوصل صوت استغاثة الشعب الليبي الى الامم المتحدة ومجلس الأمن لو لم يحدث ما حدث في تونس وفي مصر من ثورات.
بعد فشل محاولات التوسط لدى القذافي لاقناعه بجدوى محاولة الضحك مرة اخرى على ذقون الليبيين، ونذكر منها محاولات من ينتمون لجماعة دينية ومحاولات تركيا وجنوب أفريقيا والاتحاد الافريقي لشفط ثروات الشعوب وروسيا والكثير من فطاحلة رجال الاعمال وتماسيح المتاجرة في دموع وصلوات الشعوب، قرر العالم الوقوف في صف الشعب الليبي ضد القذافي ومساعدة ثوار ليبيا الشرفاء الذين سطروا بدمائهم الزكية تاريخ اروع معارك البطولة ضد مرتزقة حقراء.
البعض تدخل وساعد ليبيا نصرة للحق والبعض الآخر بدافع العروبة..البعض ساعدنا ليس حباً فينا ولكن كراهية للقذافي..الكثيرين تدخلوا لمساعدتنا من أجل ضمان حقوق شركاتهم التي كانت تعمل في ليبيا وحماية لمواطنيهم وحقوقهم في ليبيا وكانوا واضحين وصريحين..البعض تدخل من أجل الغاز والنفط والموقع الاستراتيجي ولم يخفي ذلك..البعض هرع باتجاهنا (على خاطر سواد عيوننا)..والبعض الآخر دعته نخوته العربية ونصرته الخالصة للدين الاسلامي الحنيف للوقوف معنا ولم يطالب بمقابل..لكننا كنا طيبين لدرجة أننا لم نكن نتوقع أن يستغلنا البعض الآخر بينما كنا نعاني اشد المحن. وساعدوننا و وهم يبطنون اجندات أخرى لم نكن ندري عنها شيئاً..خُدعنا مرة أخرى وأعتقدنا أن كل من علا صوته مكبراً "الله أكبر" هو انسان ورع ومتدين ومخلص النيات..واعتقدنا أن كل رغيف خبز وكل رصاصة وكل درهم وصلنا كانت معونات انسانية مخلصة لله في لله..وطيبتنا الليبية المفرطة منعتنا من التشكيك في نوايا بعض من يركع باتجاه مكة لكن خياله يتجول بين خزائن اموال امراء الدوحة..ويسيل لعابه وهو يحلم بكرسي منصب من المناصب المدندنه التي سيوفرها له طويل العمر.
فاتنا أن حكومة قطر لم تكن تساعدنا على خاطر سواد عيوننا او نصرة للشعب الليبي المظلوم، بل تنفيذاً لأجندة غربية عربية..لم نكن ندري انه هناك غايات مخفية عنا كسعي حكومة قطر لتأسيس حكومة وامارة اسلامية في ليبيا على مزاجها ومزاج بعض تنابلة قصورها من الليبيين الذين رضوا بحل غير وطني لليبيا ما بعد القذافي ومستورد من قطر بموافقة سيادة مرشدهم العام!
الطيبة المفرطة خصلة مشوهة قد تتحول الى غباء أعمي وهذا للأسف ما قد يحدث لنا. فهل نلام على ذلك؟
هل نلام على فتحنا لباب وطننا لحلول قطرية استوردها لنا شيوخ ليبيين وفطاحل كولسة الخفاء المتسترين بجلباب الدين من اجل مصالح جماعاتهم ومليشياتهم؟ نعم نحن نلام على ذلك ولكنني التمس الاعذار لنا لأننا كنا نمر بظروف صعبة جداً وحرب ابادة شاملة شنتها علينا كتائب القذافي ولم نكن نملك حرية الاختيار. كنا في أشد الحاجة لمساعدات انسانية وللسلاح والتمويل..وكنا مشغولين بالعمل على تحقيق الهدف الأكبر وهو القضاء على دكتاتورية آل القذافي..ولم نكن نملك الوقت للتدقيق في نوايا الآخرين لأننا وثقنا في تواجد العوامل الانسانية والدينية وروح النخوة والاواصر العربية ولم نشكك في نوايا حكومة قطر.
للأسف يوماً بعد يوم تنكشف اوراق اللعبة..وتنكشف الادوار المتفق عليها بين بعض الجماعات الاسلامية الليبية وحكومة قطر من أجل الوصول لنقطة تنفيذ الخطة القطرية/الغربية المتلخصة في ايصال الجماعات الاسلامية لسدة الحكم ليطمئن الجميع لاستمالة وتحييد العربي الذي يعتقد أنه وجماعته يمثلون الاسلام..وهو ما يتفق مع ما أعلن عنه المستشار مصطفي عبد الجليل مؤخرا من أن "قطر تقوم بدعم التيارات الإسلامية ولها رؤية تتمثل في أن يتم بناء منظومة عربية تعتمد الشريعة الإسلامية كنظام للحكم".
نحن لسنا ضد الاسلام ولا التدين ولكننا ضد الاجندات الدينية المخفية تحت جلباب وعمامات الدين وضد استغلال الدين الاسلامي السمح ليحولوه من دين وعقيدة وعبادات واخلاق سمحة الى لعبة سياسية تتقاذفها الألسن والأرجل ودابة يركبها كل من يريد الوصول لمنصب او لمركز معين او تحقيق مكسب مادي لصالح جماعة ما وتكفير من لا يعتبرونهم اخوان مسلمين لأن رؤيتهم للاسلام مختلفة..وهكذا وباِسم الدين مرة اخرى يحق لهم اقصاء وتهميش وابعاد وحتى الانتقام ممن لا يرضي باستخدامهم للدين لجمع المكاسب الحزبية.
نحن ضد فبركة او استيراد دستور او نظام سياسي يسمح لسماحة المفتي وللمرشد العام ولرئيس الوزراء او رئيس اللجنة الامنية العليا او رئيس الدولة بالتحول الى "قائد ثورة" جديد او محرّض جديد او مفكر اممي جديد يسيطر على عقولنا بقوة السلاح وتتابع لجانه الثورية الجديدة خطواتنا ليلاً نهاراً حتى لا نخرج من الدائرة السلبية المغلقة التي يريدون زجنا بها وحتى لا نفكر في استعمال عقولنا.
لقد أضاعت افكار وتحليلات ونظريات وتفسيرات ومحاضرات وتحريضات القذافي 42 عاماً من حياتنا وعمر الوطن..وليس بامكاننا أيها الاخوة العودة الى الوراء للسماح لشخص جديد بتكرار ذلك..ولا نستطيع السماح لتجار الدين بالتدخل والفتوى في كل امور البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والعسكرية..فموافقتنا على ذلك تعني أننا رضينا بتغيير مصطلحات "التحريض" الى فتاوى واللجنة الثورية ستصبح ميليشيات أمنية..والشرعية الثورية ستصبح شرعية دينية تلبس لباس الشريعة الدينية..فالقذافي أيام طغيانه وصف المتدينين بالزنادقة..واليوم كل من يفكر او يحاول الاقتراب من نقد شيخ او مفتي حتى على حق اصبح يوصف بالكافر او بالليبيرالي..وبدلاً من خطوط سيف القذافي الحمراء الخمسة ستفرض علينا عشرات الخطوط الحمراء وفقاً لرؤية ولي أمرنا الجديد طويل العمر..وهذا يرجعنا الى خانة محلك سر ونكون بذلك قد ظلمنا شهدائنا وقدمنا الاهانة لأرواحهم ودمائهم الزكية التي بذلوها بدون رشاوي وهبات قطرية من اجل الوطن وليس من اجل تنفيذ رؤي جماعة ولائها ليس لليبيا..فهل أصبحت ليبيا للبيع؟
نحن شعب له اخلاق ومبادئ ولازلنا نقول لحكومة قطر مشكورين على ما قدمتموه لنا ولسنا بجاحدين او ناكرين لجميلكم ومعروفكم ونعترف بما قدمتموه لنا من مساعدات انسانية وباِذن واحد أحد وبعد استقرار امور ليبيا (وهذا رأيي الشخصي)، أرى أن يضيف المؤتمر الوطني العام والحكومة القادمة بنداً جديداً لجدول اعمالهم تتم فيه مناقشة واعداد خطة عمل وجدول زمني نعيد فيه الى حكومة قطر كل دولار ويورو ودرهم وصلنا منهم، على أن لا يشمل ذلك ما وصلنا من اخوتنا المواطنين القطريين من مساعدات انسانية لأننا لسنا مغتاضين من اخوتنا القطريين لكننا نرفض محاولات حكومة قطر فرض وصايتها على وطننا!
أعتبر خطوة كهذه خطوة مهمة من اجل مستقبل افضل لليبيا، وحتى لا نبقى تابعين طوال عمرنا لرؤية قطر للامور، وحتى لا نتحول الى سجناء الصدقات القطرية ومدينين بالولاء والطاعة لممثليهم في ليبيا.
اِن لم تفعل ليبيا ذلك ولو على حساب ميزانية اعادة البناء – اِن تبقّى منها شيئاً طبعاً - ، فلن يكن هناك استقلال للرأي والرؤية الليبية..واِن لم نقتلع "مسمار جحا" الذي يمثل الصدقات والمعونات القطرية من جدار وطننا سنندم لاحقاً بسبب كثرة زيارات وتدخل صاحب المسمار في شؤون بيتنا بحجة "رؤية" مسماره.
نعم نحن شعب له اخلاق ومبادئ ولكن، رأينا واضح وصريح: لا يحق لحكومة قطر او غيرها رشوة ليبيين او تجنيد ليبيين من اجل تنفيذ ما لا نعلم..ولا يحق لهم التدخل لا اليوم ولا غداً في امور ليبيا الداخلية..ولا يحق لهم دعم وتمويل جماعة ليبية حتى تطغى على باقي الجماعات..ولا يحق لهم التدخل في شؤونا لأننا لم نبصم ولم نوقع لهم على وثيقة بيع مستقبل ليبيا والليبيين، ولم نفوّض أي شيخ من شيوخ الكولسة او دكتور او مستشار بأن يرفع فوق رأسه يافطة كُتب عليها ليبيا للبيع! فليبيا لم ولن تكن للبيع يا طويل العمر، والدليل على ذلك أن أهلها صبروا على مظالم ومذلة ودكتاتورية القذافي لأكثر من أربعة عقود رأوا فيها الويلات والفقر المذقع وكافة انواع الامراض والمهانة وضحك الجيران على حالتهم وشماتة العدو..لكن هذا الشعب البطل لم يستجدى حكومة أي دولة شقيقة او غير شقيقة لتستحوذ على ليبيا مقابل تحريرها من قبضة القذافي..لم نقل لا قبل ولا بعد 17 فبراير 2011 لأحد تعالوا حرروها وخوذوها!
نبتهل للمولى عز وجلّ في هذا الشهر الكريم أن يرجع المخطئين في حق الشعب الليبي الى صوابهم وأن يتركوا الشأن الليبي لليبيين حتى نحافظ على العلاقات الطيبة التي تجمع الشعبين الشقيقين.
الله عز وجل يعلم كم تعذب وكم عاني هذا الشعب الليبي العظيم وسيوفق الله الليبيين في بناء دولة النماء والخير والعزة والكرامة بجهد الليبيين الشرفاء..فالشعب الليبي اليوم اصبح يدرك ما يحاك ضده في الخفاء وللاسف بمشاركة بعضاً من أبنائه من تجار الكولسة الدينية الساعين الى عرقلة بناء جيش وقوات امنية ليبية بدلا عن مليشيات الشيخ مولاهم..والساعين الى تزوير نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام والرافضين لعودة قاعدة امعيتيقة للجيش الوطني والمتأمرين مع مؤيدي فوضى الجماهيرية بدون أن يدروا وذلك بخلق القلاقل وافتعال الازمات واشعال فتيل التفجيرات والاغتيالات هنا وهناك.
في النهاية حكومة قطر ومخططاتها للمنطقة هم عوامل خارجية ومن المتوقع دائماً في السياسة أن تأتيك "بلاوي" من الخارج..لكن أن تأتيك هذه البلاوي من الداخل وتكتشف أن ليبيين كنا نتوقع الخير من تدينهم ومن فتاويهم وأعتقدنا أن محنة حرب التحرير قد وحدت نواياهم مع نوايا الشعب الليبي قد شاركوا في التخطيط لها وفي تنفيذها..فهذا امر محزن للغاية ويثير الغضب والاشمئزاز ويرمي في افق الوطن سحابات كثيفة من الاحباط.
شده وتزول يا ليبيا!
تصبحو على وطن وتمسو على خير
حسين التربي
huseinturbi@yahoo.co.uk
أرشيف مقالات (ولد بلاد)، للإطلاع، اضغط هنا