المحاصصة أم المحرمات في العملية السياسية بليبيا

إسماعيل القريتلي  بتاريخ   2012-08-08
المحاصصة أم المحرمات في العملية السياسية بليبيا
إسماعيل القريتلي
ليس بعيدا عن التوقعات تلك المحاولات التي تتولاها بعض أحزب الأقلية وعدد من أعضاء المؤتمر الوطني الأفراد من محاولة فرض منطق المحاصصة في تولي الوظائف القيادية الأعلى في الدولة، وهي حتى الآن رئاسة المؤتمر الوطني العام ورئاسة الحكومة المؤقتة.
ولدعم موقفهم التفاوضي تنادى بعضهم بإضافة رئاسة ثالثة هي رئاسة الدولة مع تقليص من صلاحياتها وتوسيع صلاحيات رئيس المؤتمر الوطني، ثم جاء منطق المحاصصة لينادي برئيس الحكومة من شرق ليبيا أو ما سمته بعض الكتابات أصيل الشرق أي لابد أن ينتمي إلى قبيلة من شرق ليبيا، في حين دعوا إلى أن يكون رئيس المؤتمر من الغرب أو الجنوب وباستحداث الرئاسة الثالثة في مقترحهم يصبح الأمر توزع جهويا.
والأمر ليس مستغربا لأن هذا ما كان ممارسا سواء في حقبة النظام السابق أو حتى المرحلة الانتقالية حيث تشكلت حكومة الكيب متأثرة بالمحاصصة الجهوية خاصة في الدفاع والداخلية. وإن كان الأمر مبررا في تلك الفترة لأن البلاد التزمت التوافق لعدم اجراء أي انتخابات تميز نتائجها بين فائز وخاسر.
ولن يكون مبررا اليوم استمرار هذا التوافق المنتهي إلى المحاصصة التي ستتجاوز في تأثيرها الدستور المزمع وضعه ففي لبنان المحاصصة بين الرئاسات الثلاثة ليس مقررا في الدستور بل هو من تفاهمات الطائف بعد الحرب الأهلية، والأمر نفسه حدث في العراق في توزيع الوظائف العليا بين كردي للرئاسة وشيعي للحكومة وسني للبرلمان، ولم يتمكن العراق وقبله لبنان من التخلص من المحاصصة رغم آثارها السلبية على الحياة السياسية وتسببها في اختلال اجتماعي وثقافي للحفاظ عليها.
في ليبيا، لا توجد أي أسباب موضوعية لتبني هذا المنطق الذي يضعف التنمية السياسية ويجعل نتائج الانتخابات لا جدوى منها ويحرم الأحزاب الفائزة من حقها في تولي الوظائف القيادية الأعلى التزاما بقانون المحاصصة الذي يفرض توزيع الرئاسيات جهويا أو دينيا أو مذهبيا أو عرقيا. وإن كان للبنان والعراق ما يدعون أنه مبررات حيث كانت الحرب الأهلية في لبنان بين المسيحيين والمسلمين ولا يمكن الوصول إلى اتفاق سلام إلا بتوزيع الوظائف القيادية الأعلى في البلاد فجاءت كما هو عليه الآن. وإن كان العراق منقسما مذهبيا مع وجود المسألة الكردية فكانت المحاصصة منطقا لمعالجة الانقسام الديني والإثني. رغم إن الأمر لم يعالج بذات المنطق في دول أخرى توجد فيها ذات الاختلافات مثل نيجيريا التي يتداول على حكمها رؤساء مسلمين ومسيحيين بحسب نتائج العملية السياسية.
إن منطق المحاصصة لا يتوقف من خلال تجارب مستمرة عند الوظائف الأعلى في الدولة بل ينتهي به الأمر إلى تقسيم كل الوظائف العامة مهما صغرت وفق ذلك المنطق، وبمرور الزمن يعتاد الناس على ذلك حتى يصبح تغييره مواجهة لمكاسب طبيعية لأعيان ووجهاء الجهات الذين يتحولون بمرور الأيام العنصر الأكثر تأثيرا في المشهد السياسي وتنتهي الأحزاب المؤثرة لتصبح أحزاب عائلات أو مناطق أو جهات. وفي لبنان لم نرى حضورا حقيقيا للأحزاب القومية والإيدولوجية حتى في أوج وألق القومية العربية أيام عبد الناصر لم تؤثر الأحزاب القومية في لبنان إلا في المشهد العسكري حيث كانت طرفا في الحرب الدينية هناك.
ليبيا بعد الثورة ليست بحاجة إلى هذا الإنتاج المتخلف للمشهد السياسي ومحاولات الأحزاب الصغيرة وبعض الشخصيات السياسية استمالة الجهات والمناطق أو بناء تحالفات قبلية لقبائل لا تربطها حتى علاقة جوار لهو من أكبر المحرمات التي يجب الوقوف في وجهها بلا تردد.
ويأتي دور الإعلام والمجتمع المدني حاسما في هذا السياق. وكنت قد دعوت وأكرر الدعوة للأقنية الفضائية والصحف والإذاعات المسموعة وغيرها إلى ضرورة الاتفاق على إطارات للعملية الصحفية والإعلامية في الفترة الثانية للمرحلة الانتقالية من بينها توضيح الشروط الصحيحة لتأسيس مشهد سياسي في ليبيا.