لماذا يصر السيد مصطفى عبد الجليل على إفساد لحظاتنا التاريخية

د. يونس فنوش   بتاريخ   2012-08-14
لماذا يصر السيد مصطفى عبد الجليل على إفساد لحظاتنا التاريخية
البارحة كنا على موعد مع لحظة تاريخية في حياة بلادنا وشعبنا، لحظة لم نعش مثلها منذ عقود طويلة، أن تسلم مؤسسة حاكمة قائمة السلطة إلى مؤسسة أخرى منتخبة، بطريقة سلمية حضارية، ويبقى أفراد كلا الطرفين مواطنين أحراراً، متساوين في العزة والكرامة والانتماء إلى الوطن.
ولقد كنا نطمح لأن تتم مراسم إجراء هذه العملية بما ينبغي أن تتسم به من حسن التنظيم، ودقة التنفيذ، والحرص التام على سلامة المظهر الذي سوف تبدو به أمام أعين من كانوا يتابعونها، سواء داخل الوطن أو خارجه، عبر شاشات التلفزة التي كانت تنقلها على الهواء مباشرة.
ولكننا أصبنا بخيبة الأمل ذاتها التي أصبنا بها يوم إعلان تحرير البلاد، بعد حسم المعارك في سرت، والقبض على الطاغية المقبور، فلم يكن سلوك الحاضرين، من أعضاء المجلس الانتقالي أو الحكومة أو المؤتمر الوطني، يرقى إلى المستوى المطلوب، ولم نستطع، كالعادة، أن نلتزم بالموعد المعلن لبداية الجلسة، وظللنا نراقب تلك الفتاة أو السيدة المكلفة بتقديم فقرات الحفل وهي تكرر الدعوة للحاضرين لأن يلتزموا مقاعدهم، تهيؤاً لبداية الحفل، دون جدوى، وقد شاهدناها وسمعناها وهي تكرر تلك الدعوة لأكثر من ربع ساعة، ولا يستمع إليها أحد.
ثم حانت اللحظة التاريخية المشهودة.. فإذا بالسيد المستشار مصطفى عبد الجليل يفاجئنا، كما فعل في إعلان التحرير، عدة مفاجآت لم تكن سارة على الإطلاق. أولاها كانت ملامحه المتجهمة التي ارتقى بها إلى المنصة، فقد أوحت لي على الأقل، بأن كارثة ما قد حدثت، وظللت أمسك أنفاسي خوفاً من أن يفاجئنا السيد المستشار بما لا يسر. فإذا به يتحدث حديثاً غامضاً عن تقاليدنا المرعية، وضرورة مراعاتها وما إلى ذلك، ثم يتبين أن الأمر كله يتعلق بأن تلك الفتاة التي كانت تقدم فقرات الحفل لم تكن تلبس غطاء على شعرها. وعلى الرغم من أني لم أفطن لما حدث بالضبط داخل القاعة، إلا أننا شاهدنا وعلمنا فيما بعد أن تلك السيدة قد استبدلت برجل، لا يمثل ظهوره بشعر غير مغطى أي مشكلة.
والحقيقة أني أسفت أشد الأسف لما حدث. وقد ذكرتني هذه الحادثة بما فعله السيد المستشار يوم إعلان التحرير، عندما ابتعد كل البعد عما ينبغي أن يتحدث فيه، وأخذ يتحدث في مسائل لا علاقة لها بالسياسة ولا بالحرب والتحرير، من قبيل الحديث عن قانون الأحوال الشخصية ورأيه في ضرورة تعديله للسماح بتعدد الزوجات، والحديث عن المعاملات المصرفية وتجريم الربا وما إلى ذلك من مسائل، هي حتى من الناحية الشرعية محل جدال واختلافات في الرأي والاجتهاد.
وكرر السيد المستشار الخطأ نفسه عندما أخذ يتحدث عن مسائل شخصية، تتعلق بشخصه وسيرته الذاتية ومستقبله، وعندما أخذ يتطرق لتفاصيل ومسائل جزئية حول ما تم خلال المرحلة التي تولى فيها المجلس الانتقالي السلطة، وكلها كانت مسائل لا محل لها في مثل هذه اللحظة التاريخية، التي كان ينبغي أن تكون مركزة بالكامل للحديث عن أهمية هذه اللحظة في تاريخ بلادنا وشعبنا، وتهنئة شعبنا على ما حققه من إنجاز مذهل في تنفيذ انتخابات المؤتمر الوطني، وربما الحديث السريع عما أنجزه المجلس الوطني الانتقالي، وأخيراً تقديم التهنئة للأعضاء المنتخبين للمؤتمر الوطني، وتمني التوفيق والنجاح لهم.
وعلى الرغم من أن السيد المستشار بدأ كلمته بالإشارة إلى أنه سوف يتحدث خلال خمس عشرة دقيقة، ما أوحى إلي وإلى المشاهدين باحتمال أن يكون اتعظ من تجاربه السابقة في مثل هذه الأحاديث المعلنة، إلا أننا تابعنا بأسف بالغ كيف أنه لم يتقيد بتلك المهلة التي حددها لنفسه، وأخذ يرتجل الحديث ارتجالاً، ويتورط في التطرق لتلك المسائل الجزئية التي لم يكن المقام يسمح بها أو يلائمها.
ومع كل مآخذنا على السيد المستشار وانتقاداتنا له، إلا أننا لا نملك إلا أن نحييه على ما بذله من جهد، وقبل كل ذلك على شجاعته وتحمله تلك المسؤولية التاريخية بتولي رئاسة المجلس الوطني الانتقالي في تلك اللحظات البالغة الخطورة والصعوبة. وسوف يكفيه فخراً أنه سوف يسجل في تاريخ ليبيا بأنه أول رئيس سابق، يسلم السلطة لمن يتولاها من بعده، بطريقة سلمية حضارية راقية.

هاتف: 0925121949 / e-mail: fannushyounis@yahoo.com