عقلية القطيع (2)

د. المبروك سلطان   بتاريخ   2012-05-16
عقلية القطيع

(2)

يقول جبران خليل جبران " لو رأيت الجميع ضدك و الألوان غير لونك و الكل يمشي عكسك فلا تتردد و امشي وحدك و تمسك بمبادئك و لا تأبه لهم حتى و ان اصبحت وحيدا لا تتردد فالوحدة افضل من ان تعيش عكس نفسك لإرضاء غيرك"


نواجه الكثير من التحدي في وضع تعريف واضح شامل و مانع لمصطلح "القطيع" ، فهناك العديد من التعريفات و تعريفات فرعية بحسب التخصصات العلمية التي تهتم بدراسة سلوك الجماعات البشرية . لكن نجد ان علمى الانثروبولجيا و الإجتماع قد اتفقا الى تعريف ان عقلية القطيع هي تلك العقلية التي تنتظر التفكير من الآخر و تتلقف اى رأى او فكرة منه دون تكلف عناء إعمال التفكير فيها او فحصها و ترديدها دون ادنى محاولة للتأكد من ذلك الرأى او تلك الفكرة . أى أن عقلية القطيع تؤشر الى ثقافة من لا يمتلك اى ثقافة في الواقع . هذه العقلية لديها الإستعداد لكي تنقاد و لا تتميز بأى إستقلالية في تفكيرها ، بل و تبحث دائماً عن من يوجهها و يحدد هدفها و تنصاع دون تردد حتى لو كان المسار تدميرياً او شريراً، و لا قدرة لهذه العقلية داخليا على إتخاذ القرار لأنها لا تملك الجراءة و لا التفكير في صواب او صحة رأى او فكرة من ينقادوا له ، و غالبا ما تُعتبر هذه العقلية عقلية مظلومة بسبب المكونات البائسة القاصرة المكونة لها.


عقلية القطيع هي عقلية مجموعة تنقاد من تلقاء نفسها و بإختيارها الى رأى و عقل و فكر و قرار شخص آخر دون إعمال العقل او التدبر في نتائج هذا الانقياد و لا إلى إين سيصل بهم بغية إخفاء العجز في إستخدام العقل لديها، و لا نجد مكان للإرادة لديهم إلا إرادة قائد القطيع !


لا نحتاج للكثير من التفسير الى مصدر مصطلح عقلية "القطيع" ، فيبدو جلياً انه قد استمد تسميته من حركة القطعان الحيوانية خصوصاً قطعان الحيوانات التي اعتاد الإنسان تربيتها مثل الابقار و الماشية التي تتحرك دائماً خلف ثور او كبش يسّهل للراعي توجيهها عبره و قد اعتاد بعض الرعاة تعليق جرس في عنق الثور او الكبش يكون إشارة للقطيع على الاتجاه او بداية الحركة .


الصعوبة الكبرى التي تواجه افراد القطيع انهم لا يفكرون بكفاية أنفسهم ، ولا يهتمون بما يخسرون عند التخلي عن إستخدام عقلهم و إتباعهم القطيع او إستنادهم الى مصدر أخر غير عقولهم كمغذي رئيسي لأفكارهم ومحرك لأعمالهم . المخيف في تصرف القطيع و ردود افعاله هو ذلك الخوف الجماعي الغريزي من اى رأى مخالف للقطيع ، و الإستعداد لتبني موقف عدائي لأى شخص يخرج عن تفكير القطيع و إستعداد عفوي لمهاجمة اى فكر او رأى مخالف لفكر القطيع او قائد القطيع!


نتيجة لهذه المواقف العدائية يتهيب الكثير من افراد المجتمع و يخاف ان يتخذ موقفاً مخالفاً خصوصاً في ظل سلوكيات القطيع حتى لا يتم إتهامهم بالخروج على المجتمع "القطيع" و ربما خوفاً من التعرض "للنطح" او القتل من بقية افراد القطيع ! و رغم ان معظم المجتمعات الانسانية لازال لها اذيال من ثقافة القطيع إلا انها يبدو ان مرتعها الرئيسي في مجتمعات تتسم بالتخلف الإجتماعي و الجهل و الفقر، مجتمعات لازالت تحيا كقبائل و جماعات جهوية ومجموعات دينية و عرقية .


الثقافة الغربية خلال عصر النهضة و ما تلاها من عصور استطاعت ان تؤسس للفرد و وللعقلية الفردية المبادرة في المجتمع من ناحية الحقوق و الواجبات وفق قوانين و حملة تنوير فكرية تشجع على المبادرة الفردية و ثقافة الابداع و الخلق ، و على مدى السنين بدأت تلك المجتمعات تنضج ثقافياُ و فكرياً لتزدهر لاحقاً بإنخفاض في عقلية القطيع ولم تعد تُرى فيها إلا احياناً بين مشجعي كرة القدم.


( يتبع ) ....