بين ادريس وابليس (1)

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-08-28
بين ادريس وابليس
عندما هتف بعض الغوغائين ضد الملك الراحل ادريس السنوسي في الشوارع يطالبون بحكم ابليس ولا ادريس استجاب الله لدعوة هذه القلة من المواطنين لحكمة يعلمها وحده .. وعند العرب مثلا يقول أن الولد العاق يجلب لأبويه اللعنة .. وقد دامت هذه اللعنة زهاء الاربعين عاما .. زُوّر فيها التاريخ من أوسع أبوابه وكُتب على هوى رجل واحد وحيد .. ووُلدت فيها أجيال وماتت أجيال أخرى .. وُلدت فيها أجيال لم تكن تعرف من التاريخ إلا بقدر ما أُتيح لها معرفته .. وماتت أجيال عندها علم بالتاريخ الذي ظل مكتوما ومكبوتا في صدورها .. وضاعت الحقيقة بين الخيال والواقع .. بين مدلّس ومنافق .. بين مندس وخسيس وناكر للجميل .. بين عبيد المال حرامه وحلاله .. بين عبيد السلطة والتسلط وعشاقها.. بين من يعرف الحقيقة وبين جاهل لها .. بين مكابرومزايد ومعاند .. وبين الجهل والجهالة والغدر والخيانة وبين العلم والعمالة.. بين من يخشى ان يقول كلمة حق .. وبين من يقول الحق ولو على نفسه .. بين مجاهر بكلمة الحق في وجه سلطان جائر .. وبين من يرضى بالعيش تحت خط الكرامة او دونها .
واليوم وقد مات ادريس راضيا مرضياً .. وقُتل القذافي ولم يمت بالحسرة والكمد .. ورحلا عن عالمنا الى حيث يلاقيان جزاؤهما من رب العباد .. فمن عمل صالحا يجده ومن أساء فعليها .. ان فعل خيرا يكافئه وان فعل شرا يحاسبه .. وإن حساب الآخرة وعذابها لشديد .. ولا يملك أي منا محاسبته بعد ان صعدت الروح لبارئها ارساءً للمبدأ القانوني القاضي بانقضاء الدعوى لوفاة المدعي عليه .. ولكن يملك التاريخ أن يقول كلمته الأخيرة في حقهما .. والتاريخ الصحيح والحقيقي لا يكتب إلا بمرور ردح من الدهر قد يطول .. والتاريخ لا يرحم .. ولا نريد له أن يرحم .
الملك الراحل ادريس لم يكن ملاكا ولا شيطانا .. بل كان مواطنا شريفا طيبا .. وكان بشرا يخطئ ويصيب وصوابه أكثر من خطئه .. يحب ويكره وحبه أكبر من كرهه .. كان متسامحا في قسوة .. وقاسيا في الحق لا تأخذه لومة لائم .. كان اذا حقد لا ينسى واذا نسى لا يغفر .. كان صارما في حزم وأحيانا متساهلا في لين يؤخذ عليه ويؤاخذ عنه ..
الملازم الراحل القذافي لم يكن ابليس .. وان كان أقرب الى شياطين الأنس من البشر .. كان ضابطا في جيش فتيّوليد .. جاءت به الأقدارليخطط ويدبر لانتزاع السلطة وسرقتها جهاراً نهاراً .. في غفلة من كبار الضباط معه .. وبتحريض من ضباط صغار مثله لا يقلّون عنه همجية ولا فوضوية ولا أثرةً ولا أنانيةّ .. ينقصهم الولاء للوطن وحب للمواطن .. تسيرهم إرادات أجنبية وأطماع شخصية .. وان كان بعضهم قد خدع واكتشف الخديعة بعد فوات الآوان فندم منهم من ندم وتجرع غيرهم كأس المنون كما ذاق آخرون المرارة والهوان على يدي ذاك الملازم الشرس .. كان رجلا يتمتع بقدر كبير من النرجسية وحب الذات والأنا الطاغية عليه في كل ما يفعل .. يقول عكس ما يضمر .. ولا يضمر إلا شرا .. يرى الحق حقا ويتجنب اتباعه .. ويرى الباطل باطلا ويتعمد اتباعه .. كان كل همه أن يصبح هو كل شيئ وغيره من الليبيين لا شيئ .. أقزاما يمشون على الأرض .. مجرد أرقام ولوحات وهتافات رنانة طنانة تسبّح بحمدهوترضي غروره وغريزته السادية السوداوية وطموحاته التي تعلو فوق السحاب ..
وللحديث بقية ..
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com