بين ادريس وابليس – 2

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-08-28
بين ادريس وابليس – 2
الملك الراحل السيد ادريس السنوسي قبل أن يكون ملكا هو شيخ طريقة اسلامية صوفية على مذهب الامام مالك بن أنس – امام أهل السنة والجماعة - كان شيخا للطريقة السنوسية التي أوجدها جده المغفور له السيد محمد بن علي السنوسي الكبير طيب الله ثراه وأحسن مثواه .. وسار على دربه والده السيد محمد المهدي السنوسيفأنشأ عددا كبيرا من الزوايا لتحفيظ القرآن الكريم في وقت كانت تسود فيه الجهالة والجهل كل أرجاء التراب الليبي وتثار فيه النعرات والتعصب القبلي وكثر فيه قطع الطرق والغزوات على الناس الآمنين .. ونالت تلك الطريقة حضوة كبيرة في العالمين العربي والاسلامي وخصوصا في شمال افريقيا والسودان ومصر وأراضي الحجاز والشام وكان للسنوسية فيها شأن وشأو كبير وخطير خصوصا في ليبيا .
كان السيد ادريس قبل أن يكون ملكا يتزعم حركة الجهاد الوطني ضد المستعمر الايطالي الذي بدأه ابن عمه السيد أحمد الشريف السنوسي نائب الخليفة العثماني في شمال افريقيا ومن هنا أخذ السيد ادريس منعطفا سياسيا آخر بالاضافة الى زعامة الحركة الدينية السنوسية التي كان يقودها هو ومن تبعه من أمثال الشيخ عمر المختار والفضيل بو عمر ويوسف بو رحيل وغيرهم من مشاهير المجاهدين وشيوخ الزوايا الأفذاذ الأبطال .
كان السيد ادريس قبل أن يكون ملكا أميرا على برقة وسيدا لها يتمتع بحب وتقدير واحترام جميع سكانها كبيرا وصغيرا سيدا ومسودا .. وكان الجميع يأتمرون بأمره ابتداءً من شيخ المجاهدين عمر المختار الى شيوخ أكبر القبائل وأعتاها في برقة .. كان الجميع ينحنون أمامه يقبلون يده الكريمة ويتباركون به وينزلونه منزلة عالية رفيعة لا ينزلها إلا الأولياء والمقرّبون الصالحون .. ويطلبون منه الفاتحة تباركا وتميناً وتقربا الى الله عز وجل .. وكان الناس يستبشرون بقدومه حيثما حل ونزل .. فينزل الغيث من السماء مدراراً .. وتخضرّ الأرض ويورق الشجر وينتهي القحط والجدب .. وكان الناس اذا ما لحق بهم الضر يتوجهون بدعائهم الى الله قائلين " بجاهك يا سيدي ادريس يا طلاّق المحابيس" اقتناعا منهم بأن له كرامة عند الله فيستجيب الله لدعائهم .. كما كانت عادة الناس في ذلك الوقت الاستعانة بأولياء الله الصالحين من ذوي البركة أمثال سيدي عبدالسلام الأسمر وسيدي رافع الأنصاري ..

كان السيد ادريس قبل أن يكون ملكا ابناً لذلك الصوفي الصالح والعالم الورع والعلامة الكبير الامام السيد محمد المهدي الذي كان له الفضل الأكبر في إثراء الطريقة السنوسية وجعلها تنافس الطريقة الوهابية في الحجاز والمهدية في السودان وجعلها أكثر قرباً في قلوب المؤمنين لكونها تمثل الوسطية المتسامحة في الاسلام .. ويستلهمو يستمد منه حب الناس وخضوعهم له وخشيتهم منه وخوفهم من غضبه لكي لا يحل بهم مكروها .. وكانت تلك عقيدة الناس في ذلك الوقت مهما جانبها من صواب او خطأ .. والعقيدة إحساس داخلي يسيطر على الانسان ولا يمكن أخذه عنوة بالاكراه او بالجبر والجبروت .. ومثالا على ذلك قول الشاعر عبدالجليل احموده المغربي عندما انتقل السيد محمد المهدى السنوسى من الجغبوب الى الكفره واشتد قلق الناس خشية وقوع ما لا تحمد عقباه فقال هذه القصيده العصماء :

رحل سيدى وارعب لوطان عظيم الشان حركاته باذن الرحمان

رحل سيدى وارعب لاسلام لها صارت شغله اونكد
اوتمت بعد الضى ظلام عليك ضيقه فى شد الشد
سوابقها باننفى العام ابما صار اومازال يجد
قمرها فى اربعطاش صيام تغير لونه راح اسود
زها الدنيا ما عمره دام النصر من الله الواحد
كانت فى راحه وانعام ابهيفذرا منصور الجد
الدوله مى دولت حكام اولا فيها ناموس الحد
الها توا ناضوا خدام اللعب معاهم بام السد
الناس طغت راحت هيام ما حد منها فاكر فى حد
ايبدلها سيد لحكام ابنور على لملاك ايبد
القود فحلها وقتن زام عليه ترسم تبقى تصرد
الطير امنين ترقص حام اللى تحته تبقى تمرد
الدنيا مضروبه بازمام امنولها نين اتحودد
اسمعنا ما تنطق لقلام اللى سابق منه لابد
انعنا محشورين تمام مع لاخوان انصرهم عالقوم العدوان

رحل سيدى بعد الراحات اوتكليف مزارات اتجيه
فى مجمع شغل اكبارات امواقيف الخدام عليه
امنين لاذن بيه فنارات اتعجب وانت تمثل فيه
اوهل جامع دار ابهارات اوهل حضره تجاوب فيه
اوعليّ والباس رفيعات هدايا من حكام اتجيه
وخيل اركبهن مرشوشات اوسرج الصايغ شاقى فيه
ايجنه من كل ابلادات ارفع شانه ربى عاطيه
سلاطين امتاعمسارات شراها فى شبحتهم فيه
او لو شاقى بامويعدات ايردن فى رايات عليه
اوياما عنده من خيرات اومن مال اوساع مرابيه
حراكاته شغل الساعات ايلذن اللى مبروك عليه
عرف شغله قربن لوقات مشى وين الخالق ناويه
تعمد بارجال الحالات اوبالله اللى ماسك فيه
قريب ايبتها واتبات اللى فى يده شيا يرميه
نداوى رشرش عالحوزات انصر سيدى نورين عليه
قناصل باتت مشغولات بعد بانن قيس جلاويه
ايروزن فيه الهن مدات ثقيل عليهن فى الميزان
رحل سيدى مو عالم زول الما والملح اللى ناداه
اومزال العوال ايعول انظر وين تسبايب اخطاه
خبر زايد يقصر وايطول اللى هذا ينطق باوعاه
كلام العبد اللى مجهول ايقول على الشى اوما راه
اوسيدى سره مو ممهول امين الناس اتجيب نباه
سيدى لو باشا امعزول اولو لافيله ما جلاه
مقامه فى الدنيا امعدول القبه والشباك احذاه
ايتبع فى الشى المنزول اللى سابق من عند الله
من غيره مالا امعمول امنين يميح ايميح معاه
اصحاب الدين اللى امختول غدو مرعبهم غير سناه
على القايل منه فى هول اقرانات الكفار اعداه
ايظنوا فيه انه مرسول على اللون اوصايف تهماه
اللى بان الهم فى المفعول دلايل صاحب وقت اوجاه
ايوليه المولى ويدول انعن ساخطهم شر بلاه
يفك اكتاف اللى امعقول الضايق منهم فى مرساه
منين نجبد سيدى فالقول صبى العين ايهيض سماه
عليه باقى كيف المعزول ايلاوى مو طايق مصباه
تكيدت او قلبى مشغاول او لا عبد ايعاند مولاه
وكان رايد ربى بوصول انجوه اخرى كيف اللى جاه
سيدى فى الزمره مشيول ولى يده فى يد الله
والحى على نيته امحمول اللى فى قلبه ما تخفاه
نهار السايل والمسويل اللى له سيد ايكون امعاه
اوعن سيدى مانى امغفول فرج وان الضيقه نتلاه
انعن تعسير الحال ايزول انعننا فى هيفه او ضراه
انعن وين انادوه عجول كما خاطف بارق لمزان

تعلى سيدى فى مركاز امواتى كل ارياح تهب
نداوى من بزاره فاج على جضره فى الجون العب
منافز جيابين العاج نزل فيهن واخيام نصب
بعد سافر هاضن لمواج الدنيا خلاها تقلب
اوما بعد الضيقه تقراج اتراجع وين العون ايهب
سيدى قلبه مو محراج اولا يحرك من غير سبب
كوكب فى عالى لبراج منازيله من عند الرب
ايذمو فى ركب الحجاج قلال الدين امتاع السب
ايسير بين سلاطين اعلاج علل سابق تفسير اكتب
ايسير سوق ابحوره هياج اجهاد على الدين الواجب
ادماه دار زواغب قجاج الكور يرمى واسيوف تذب
ايموجن فيه الخيل امراج اكسر فيه الكافر واغلب
او نصره من عالى لبراج اوحرمت دلال الذاهب
حباشى هف اطيور دجاج كرايس منه تحت حطب
ايفك وحلها ما تحتاج هادى الإنسان مداين واتراك وعربان

الله ينصر سيدى يامين الله يزيده شان اوهمات
حبيب الله عمود الدين المتفوض عالمخلوقات
ابن الحسن وابن الحسين المنور سيد الأمات
إدخلنه فى حزبه يامين ابجاه السيد بو روضات
امعدل فوق قصير القين ابعدة ترهج واسلاحات
اخباره عند الملعونبن ايشيخن به كل اقرانات
ملاها من وين الياوين زوايا فى كل اعمالات
اولاخرى خابرها بالعين اموقف نين الريح اتبات
توارق وبرور سوادين اوواديه امع الشرقيات
وكم رق ايدير دخاخين تقادح ما فيه انفازات
اهجنهم رغبنا فى الحين قوارب عالموج سريعات
صفى عشر أيام بيومين مثيل ابوابير الساعات
مراعيب اتقول مجانين ايجن كيف اطيور الحوزات
وكيف اللى دار عمودين جراد امياره مرتحلات
انصار لسيدى مجتمعين على ما بان انجا زور وضعفن لديان
رحل سيدي وارعب لوطان عظيم الشان حركاته باذن الرحمن

كما كان لجده السيد محمد بن علي السنوسي صيت واسع وحميد ونصيب من الشعر كبير كما يتبين في القصيدة التي تنشر في الحلقة القادمة والتي مطلعها يقول :
الغوث صاحب الوقت بانت عناته اوفاضت قناته الدنيا زهت بيدها تبعاته
الغوث صاحب الوقت شيخ الولايه نور الهدايه كل وطن له فيه بانت عنايه

وللحديث بقية انشاء الله ..
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com