هدم الضريح انعكاس لغياب الدولة وخلل الفهم

إسماعيل القريتلي   بتاريخ   2012-08-28
هدم الضريح انعكاس لغياب الدولة وخلل الفهم

بعيدا عن الجدل الفقهي أو العقدي لا يهم التصنيف لأن الأمر محل اختلاف واسع بين العلماء مهما ادعى طرف إمساكه بتلابيب الحقيقة في المسألة فإن هدم المقامات والأضرحة يدل سياسيا على إشكاليتين كبيرتين في ليبيا بعد الثورة.

الأولى هو غياب الدولة السيادي شبه الكامل في القدرة على توقع ثم التحكم في الخروقات الأمنية التي تتناثر في ليبيا شرقا وغربا وجنوبا. والثانية في خلل واسع في الفهم لدى أصحاب الآراء المختلفة فكما نقرأ ونسمع تصويبا لكل رأي من الممكن أن نرى ونسمع خروقات أمنية وممارسات عنيفه ضد المخالفين بحجة صواب الرأي.

وهذا يوجب على الحكومة المؤقتة القادمة والمؤتمر الوطني العام أن يضعا عمليا أولوية إعادة ترسيخ سيادة الدولة المنبثقة عن إرادة الشعب فالمجلس والحكومة هما نتاج للانتخابات الأولى في ليبيا، وأما كل المجموعات المسلحة والتيارات الدينية فهي لا تملك شرعية إرادة الشعب وإن ادعت الشرعية النصية أو الشرعية الواقعية.

ولتؤسس الدولة الجديدة لسيادتها التي تعني سيادة القانون والنظام العام يجب أن تبدأ في التفكير بإيجاد مرحلة انتقالية خاصة بالوضع الأمني والسيادي ولعل أهم معالم هذه المرحلة هي التعاون بشكل مباشر مع الشعب الذي رفض الانحيازات غير المتوازنة للأفكار والتطبيقات وهذه تبدو أنها النسب الأكبر بين الليبيين.

إن دمج المجتمع بشرائحه المختلفة في عمليات بناء سيادة الدولة يمنح لمشروع السيادة عمقا مجتمعيا ويضع المحاولين لخرق سيادة الدولة والعابثين بالسلم الأهلي في زاوية المتهم الذي يقرب أن يصبح منشقا على إجماع مجتمعي يقبل الاختلاف الفكري ويرفض فرض الأفكار بالقوة والعنف وهذا يعني رفض سيادة الدولة.

وعن خلل الفهم وأقصد به ادعاء الحق في بناء واقع تطبيقي للأفكار التي يؤمن بها فريق دون آخر ولا أريد أن أسترسل في الاستدلال بالتاريخ على أن النقاش الفكري والعلمي لم يمنح لأصحاب الأفكار فرض أفكارهم بالقوة والعنف إلا في حالات شاذة لا يستدل بها حيث أن الأعم الأغلب هو استمرار النقاش في دوائر العلم والمعرفة.

وكما يجب تأسيس السيادة للدولة فإن المفكرين والعلماء والفقهاء عليهم التزام ديني ووطني نحو تأسيس إطار الاختلاف واحترام الاجتهاد مهما صح الرأي عند أصحابه فمسالك الاستدلال وأدوات الاجتهاد ذاتها محل اجتهاد بين الأصوليين أنفسهم فحري بمن يجتهد إن كان من أهل الاجتهاد في استخدام الأدوات أن يعترف بأهمية الاعتراف بأن لا حق لصاحب رأي أن يفرض رأيه بالعنف والقوة بل إن الإمام مالك رحمه الله رفض حتى قوة الدولة الشرعية عندما أرادت فرض اختياراته في الموطأ على الأمة.

منهجيا يجب على دوائر الثقافة والإعلام والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب أن تتظافر في تأسيس بناء اجتماعي يبنى على الاعتراف بالاختلاف المؤسس لاحترام هذا الاختلاف وبالتالي رفض أي محاولة لفرض الآراء بالقوة والعنف.

وبناء أنساق التنشئة الاجتماعية المنتجة لاحترام الاختلاف من أولوياتنا الآنية والمستعجلة أي هي بأهمية أولوية السيادة والأمن لأن السيادة والأمن مفاهيم وثقافة ومعرفة وإلا نحونا إلى العنف طريقا لفرض السيادة وهذا يعني بلا شك إعادة إنتاج للاستبداد والانفراد ولا أخال ثورة الشعب اندلعت لإعادة إنتاج استبداد جديد بل قامت لأجل الحرية التي تعني احترام حق التفكير والتعبير.
إسماعيل القريتلي