عودٌ على بدء!

محمد بشير البرغثي   بتاريخ   2012-07-31
بعد شهر وبضعة أيامٍ من قيام ثورة السابع عشر من فبراير صدر قرار المجلس الوطني الإنتقالي رقم 12 بتاريخ 29/03/2011 بتجميد نشاطات جميع النقابات والروابط والإتحادات المهنية التابعة لما كان يُسمي مؤتمر الشعب العام، فكان لابد من متابعة الموضوع.
تقدمنا بعديد المذكرات إلى السيد رئيس مكتب الشؤون المالية والنفط ومن بعده إلى السيد وزير المالية أوضحنا لهما فيها أن القانون رقم 116 لسنة 1973 بتأسيس نقابة المحاسبين والمراجعين صدر قبل إعلان ما كان يسمى جوراً بسلطة الشعب وأن القانون رقم 23 لسنة 1998 بشأن النقابات والإتحادات والروابط المهنية لم يتعرض لا من قريبٍ ولا من بعيد إليه لا بالإلغاء ولا بالتعديل.
كان ينبغي أن تنعقد الأمانة العامة للنقابة للنظر في انتخاب مجلسٍ للنقابة تطبيقاً لقانون إنشائها خصوصاً وأن سنواتٍ عديدة انقضت على تكليف الأمانة المذكورة بمهامها فضلاً عن كون تكليفها بتلك المهام كان جاء على غير السياق الذي حدده قانون تنظيم المهنة، غير أنها لم تتحرك.
كنا جميعنا، نحن المحاسبون والمراجعون الليبيون، بحكم الظروف السائدة قبل انتصار ثورة السابع عشر من فبراير وضعنا أمر قيادة النقابة في يد غير المتفرغين للمهنة فشغلتهم مهامهم الأصلية عن الإنشغال بهموم المهنة.
حَلَّت الأمانة العامة للنقابة ذاتها من ذاتها من دون أن تستأذننا نحن أصحاب الشأن ومن دون أن تسلِّم إلينا ما عهدنا به إليها.
غابت الأمانة العامة للنقابة فغُيبت النقابة بجميع أعضائها.
لم تشهد الساحةٌ لنا وجوداً، ولم يكن للنقابةِ دورٌ في أي شأن من الشؤون ذات الإتصال بطبيعة اهتماماتها.
غاب المحاسبون والمراجعون القانونيون عن هيأة النزاهة والشفافية كما غابوا عن الإدلاء بأي رأي في التشريعات المتعلقة بتنظيم النشاط الإقتصادي.
بان الغياب وحصل الفراغ.
تصدى لملء الفراغ بعض الزملاء.
بعضهم انتهى إلى تكوين لجنةٍ لتسيير شؤون النقابة استصدر قرار تشكيلها من غير ذي صفة وأحلَّها محلَّ مجلس النقابة في جميع مهامه بل وأسند لها بعض مهام الجمعية العمومية للنقابة.
وبعضهم اندفع إلى طلب إلغاء قانون تأسيس النقابة وطلب استصدارِ قرار المجلس الإنتقالي بذلك وإحلال ما سموه "المجلس الأعلى للمحاسبة" محلها.
لعل الزملاء الذين سعوا إلى استصدار قرار تكوين اللجنة التسييرية أرادوا الصواب فأخطأوا السبيل، فلا سند لهم في استلاب اختصاصات مجلس النقابة المقررة بموجب مواد القانون رقم 116 لسنة 1973 أرقام 9 و29 و33 وغيرها.
ولعل المطالبين بإلغاء النقابة وإحلال ما أسموه "المجلس الأعلى للمحاسبة" محلَّها لا يقلون حرصاً عن أحدٍ منا على تطوير مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا فذلك مطلبٌ قديمٌ تم تجديده ونحن أحوج إليه الآن أكثر من أي وقتٍ مضى، لكنهم أيضاً أخطأوا السبيل فلا مبرر لطلب إلغاء القانون رقم 116 لسنة 1973 كونه وردت الإشارة إلى الإعتداد به في عديد نصوص القوانين أرقام؛ 1 لسنة 2005 بشأن المصارف و 7 لسنة 2010 بشأن ضرائب الدخل و 11 لسنة 2010 بشأن سوق المال و 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري.
كان لا بد من تصحيح الوضع وإعادة الأمور إلى سياقها القانوني.
لسنا نحن المحاسبين والمراجعين المعنيون وحدنا بالتزام صحيح القانون، فعديد القوانين النافذة علَّقت أمر حجية ومصداقية البيانات المالية للوحدات الإقتصادية على اعتمادها من محاسب ومراجع قانوني عضوٌ بنقابة المحاسبين والمراجعين الليبيين مقيدٌ في جدول المحاسبين والمراجعين المشتغلين لديها وألزمته بتضمين تقريره حولها تأكيده التزامها بالتشريعات النافذة.
كيف يمكن أن نتصدى لهذه المأمورية الصعبة إذا لم نكن نحن بذاتنا نلتزم صحيح قانون تنظيم شؤوننا؟!
كان لا مناص لنا من الإعلان صراحةً وبمنتهى القوة والوضوح عن بطلان قرار تشكيل اللجنة التسييرية والتصدي بنفس القدر من القوة والوضوح لمساعي إلغاء نقابة المحاسبين والمراجعين الليبيين.
لم تُجدِ نفعاً، طلباتنا المتكررة الموجهة إلى وزير المالية باعتباره المكلف قانوناً بتطبيق قانون تنظيم المهنة بالتدخل لتصحيح وضع النقابة في مرحلة نحن بأمس الحاجة فيه إلى تفعيل دورها.
كان الأمر يتطلب دعوة الجمعية العمومية للنقابة للإنعقاد لاختيار مجلسٍ يقود النقابة في مرحلة ما بعد انتصار الثورة وذلك ماكان يعود الإختصاص فيه أولاً لمجلس النقابة وأخيراً لوزير المالية.
مجلس النقابة المتمثل في ما كان يُعرف بالأمانة العامة منفرطٌ شمله، ووزير المالية منشغلٌ بمهامٍ جسام.
في طرابلس ثم في بنغازي عقدنا اجتماعاتٍ تشاورية لمناقشة الموضوع من جميع جوانبه.
في طرابلس وكذلك في بنغازي أجمعنا على قرارٍ رئيس ملخصه، أن القانون رقم 116 لسنة 1973 قائمٌ ولم يلغ وأن لا سند لأحدٍ في مخالفة أحكامه ولا مبرر لأحد في طلب إلغائه، وفي بنغازي تحديداً قررنا أن النقابة هي الوعاء الشرعي لممارسة المهنة وأن هياكلها قائمةٌ ومُلزَمةٌ بالقيام بما أناطه بها قانون تنظيم المهنة، وأول ما أناطه القانون بهياكل النقابة هو دعوة الجمعية العمومية للنقابة للإجتماع.
لا زلنا بكلِّ أسف أمام هذه المعضلة، كنا نعوِّل على تفهم الوضع من قبل كلٍّ من السيد وزير المالية ووكيله وكذلك من السيد رئيس ديوان المحاسبة فجميعهم أعضاء في نقابة المحاسبين والمراجعين، لكننا لم نحظى بما كنا نرجوه من عون.
آلية الدعوة لاجتماعٍ صحيح للجمعية العمومية لا تكون إلا وفقاً لواحدٍ من الخيارات التالية:
قرارٌ بذلك من مجلس النقابة وذلك المجلس لا وجود له، أو طلبٌ من عددٍ لا يقل عن ثلث عدد أعضاء النقابة المشتغلين وذلك أمرٌ لا يمكن تحقيقه لكون سجل قيد المحاسبين والمراجعين الذي يحدد عدد المحاسبين المشغلين وقع في يد لجنة تسييرية لا سند لها في حيازته بل لا سند لها في القيام بما أناطته به وزارة غير ذات اختصاص، أو قرارٌ من وزير المالية كونه المعني بتنفيذ قانون تنظيم المهنة وذلك أيضاً لم يتحقق فبعض مستشاريه أشاروا عليه بعدم اختصاصه.