حول تطوير مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا

محمد بشير البرغثي  بتاريخ   2012-06-03
حول تطوير مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا


أقام قسم المحاسبة بكلية الإقتصاد يوم السبت 24/03/2012 برعاية جامعة بنغازي ومركز البحوث والإستشارات ووزارة المالية "المؤتمر الأول في عهد ثورة 17 فبراير حول تطوير مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا".
عنوان المؤتمر هو كلمةُ حق ليس لنا أن نفترض أنه يُراد بها غير الحق فلا شك أننا متفقون جميعاً في أن مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا في حاجةٍ ماسة إلى تطوير لكننا قد لا نتفق في آلية وأداة تطويرها.

تناول المؤتمر ورقة عملٍ واحدة دعت إلى إنشاء ما سمَّته "المجمعٍ الليبي للمحاسبة والمراجعة" واستعرض منظموا المؤتمر مشروع النظام الأساس للمجمع المقترح ومشروع قرار استصداره من المجلس الوطني الإنتقالي، ومن الواضح أن منظِّمِي المؤتمر رأوا أن نقابة المحاسبين والمراجعين هي حجر العثرة أمام مساعي تطوير المهنة وبذلك توجَّه مشروع النظام الأساس مباشرةً إلى طلب إلغاء القانون رقم 116 لسنة 1973 بتنظيم مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا ومن ثم طلب إلغاء نقابة المحاسبين والمراجعين الليبيين وإحلال "المجمع الليبي للمحاسبة والمراجعة" محلها وأوكل مشروع النظام الأساس للمجمع المقترح مَهمَّة صياغة وإصدار معاييرَ للمحاسبة ولإعداد التقارير المالية ولمراجعة الحسابات لكأنما إصدار المعايير سيكون كافٍ بحدِ ذاته لتحقيق مطلب تطوير المهنة ولكأنه كان من صلب إختصاص النقابة إصدار هذه المعايير وتخلفت عن القيام به رُغم أن قانون تنظيم المهنة وإنشاء النقابة أوكل إلى النقابة مهام تنظيم شؤون المهنة والنهوض بها ورفع كفاءة المنتسبين إليها مهنياً وعلمياً وثقافياً واجتماعياً وجمع كلمة المحاسبين والمراجعين والمحافظة على حقوقهم والدفاع عن مصالحهم المشروعة وتحديد واجباتهم وتأديب من يخرجون عنها وضوابط القيد في جداول النقابة، (مادة 3، والمواد من رقم 23 إلى 37 ومن رقم 49 إلى 70 من القانون رقم 116 لسنة 1973) ولم يتطرق قانون تنظيم المهنة لا من بعيدٍ ولا من قريب إلى إختصاص النقابة بإصدار معاييرَ للمحاسبة ولإعداد التقارير المالية ولمراجعة الحسابات،

ولئن كان من الجائز القول أن النقابة لم تُقدِّم ما كان متوقعاً منها في مجال رفع كفاءة منتسبيها فإن إسناد مهام إدارة المجمع إلى عناصر وفق شروطٍ لا تكاد تتوافر في غير الأكادميين لا نراه بالضرورة ضمانةٌ لتمكُّنِ إدارة المجمع من تحقيق الدور المتوخى منها ذلك أن بعض أسباب قصور النقابة في السابق عن المساهمة الفاعلة في هذا الخصوص ترجع إلى أسبابٍ عدة من بينها ضعف مُخرجات نظام التعليم الجامعي وعدم مساهمة الأكادميين من أعضاء النقابة مساهمة فعلية في تطويرها لا من خلال التدخل مباشرة لخوض انتخابات العضوية لمجلس النقابة عندما كان ذلك متبعاً فحسب بل ولا من خلال مساهمتهم في تفعيل قانون إنشاء النقابة ودعمها رُغم أن بعضهم تبوأ أعلى مراكز القرار في النظام المقبور إذ كان من بين الأكادميين المقيدين في جدول المحاسبين والمراجعين المشتغلين من شغَل أماناتِ ما كان يسمي مؤتمر الشعب العام والرقابة (ديوان المحاسبة) والمالية وغيرها من المواقع،

هذا من جانبٍ ومن جانبٍ آخر، فإن النقابة لم تكن مُختصةً بل لعله ما كان لها أن تكون مختصةً بإصدار المعايير المتعلقة بالمحاسبة وإعداد التقارير ومراجعة الحسابات فتلك مَهمةٌ تقع على عاتق الدولة وليس على عاتق ممارسي المهنة وإن كان ينبغي أن يكون لممارسي المهنة دورُ المشارك في صياغتها، وعدا عن ذلك، فبغض النظر عن جانب عدم اختصاص المجلس الوطني الإنتقالي بإصدار قرارٍ بإلغاء قانون إنشاء النقابة كون القانون لا يشكل تعارضاً مع أهداف ومنطلقات ثورة السابع عشر من فبراير فإن ما سيترتب على إلغاء القانون وإحلال المجمع محل النقابة فيما لو حصل عدا عن كونه يفتح الباب على مصراعيه لدخول مكاتب المحاسبة غير الوطنية التي يحظر القانون رقم 116 لسنة 1973 المستهدف بالإلغاء ممارستها المهنةَ في ليبيا فإنه سيُحدِث خللاً لا مبرر له فعديد القوانين أبرزت أهمية العضوية في نقابة المحاسبين والمراجعين إذ نلاحظ أن القانون رقم 1 لسنة 2005 بشأن المصارف ألزم المصارف بأن تُسند مراجعة حساباتها الختامية إلى مراجعَين قانونيَين من بين المقيدين في جدول المحاسبين والمراجعين المشتغلين لدى النقابة والقانون رقم 7 لسنة 2010 بشأن ضرائب الدخل أوجب في المادة 49 والمادة 71 منه أن تُقدِّم الشركات الوطنية وكذلك فروع الشركات الأجنبية في ليبيا أياًّ كان نوع نشاطها أو غرضها إقراراً بدخلها السنوي مُعتمداً من محاسب ومراجع قانوني مُقيدٌ في جدول المحاسبين والمراجعين الليبيين المشتغلين،

واشترطت المادة 70 من اللائحة التنفيذية للقانون لقبول اعتماد المحاسب والمراجع القانوني للإقرارات الضريبية عدة شروط من أهمها أن يكون مأذوناً له بمزاولة المهنة ومرخصٌ له بذلك من جهة الإختصاص وأن قيده ساري المفعول في جدول المحاسبين والمراجعين المشتغلين كما أوجب القانون رقم 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري بنص المادة 18 منه على كلِّ شركة... أن تُعيِّن مراجع حسابات خارجي أو أكثر بحسب الأحوال، ...

من الأشخاص المرخَّصِ لهم بممارسة هذه المهنة وقضت كذلك بأن التقرير الصادر عن مراجع الحسابات الخارجي وكذلك الميزانية والحسابات الختامية المراجعَةِ من قبله يعتبران صحيحان وحجةً أمام الغير إلى أن يثبت العكس، وعدا عن ذلك كله كيف يُوكَل للمجمع المقترح إصدار معايير للمحاسبة ولإعداد التقارير المالية ولمراجعة الحسابات في ظل وجود قوانين نافذة تحكم الموضوع بل وتُجرّم من يخالف أحكامها؟!

فعلى سبيل المثال، أوكل القانون رقم 11 لسنة 2010 بشأن سوق المال إلى هيأة سوق المال التأكد من تنفيذ معايير المحاسبة والمراجعة الوطنية في إعداد الحسابات الختامية للجهات المصدرة وإصدار التوضيحات والتفسيرات اللازمة لذلك مادة 4/9 كما اختصها بوضع قواعد وشروط الإفصاح من قبل الجهات المصدرة للأوراق المالية مادة 7/5،

كما ألزم القانون كذلك في المادة 23/1 الجهات المقيدة والمدرجة في السوق بأن تعد قوائمها المالية التي تُقدِّمها إلى شركة سوق المال الليبي طبقاً للمعايير المحاسبية ولقواعد المراجعة التي تُحددها اللائحة التنفيذية للقانون، وقضت المادة 63/2 من ذات القانون بمعاقبة مراجع الحسابات "الذي يقوم بالتصديق على بياناتٍ ماليةٍ ... مخالفةٍ لمعايير المحاسبة والمراجعة المعتمدة من قبل هيأةِ سوقِ المال بالحبسِ مدةً لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن 20,000 د.ل ولا تزيد عن 1,000,000 د.ل أو بإحدى هاتين العقوبتين"،

وتضمن القانون رقم 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري مجموعةً من المواد تناولت في مجملها الدفاتر والسجلات الإلزامية (م.232 وم.225) وبيان القوائم المالية ومحتوياتها وطريقة عرضها وأسس تقدير عناصرها (المواد من 228 إلى 230 ومن 254 إلى 255)،

وقضى القانون كذلك بمعاقبةِ مراجعِ الحسابات في حال عدم تحققه من سلامة حسابات الشركة وصحة بياناتها المالية الختامية وطريقةِ عرضها وتطابق حساباتها مع أحكامه وتطبيقها للمعايير المحاسبية المعتمدة وبشكلٍ خاص تلك المعايير المتعلقة بمسك الدفاتر وعملية جرد موجوداتها والتزاماتها، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن 5,000 د.ل ولا تجاوز 20,000 د.ل أو بأحدى العقوبتين (م.408).

إن تطوير مهنة المحاسبة والمراجعة في ليبيا لا يكون في تقديري عن طريق إلغاء نقابة المحاسبين بل يكون بتفرغ الأكادميين لمزاولتها من ناحية وتطوير النظام التعليمي من ناحيةٍ أخرى مع ما يتبع ذلك من ضرورة التعجيل بإعادة تنظيم النقابة وانتخاب مجلس إدارتها وقصر القيد لديها في جدول المشتغلين على المتفرغين لمزاولة المهنة ثم إقحام المزاولين للمهنة بمن فيهم حملة المؤهلات الدقيقة في صياغة التشريعات المنظمة للنشاط التجاري والمالي،

ولتكن البداية هنا إثراء الجهود المبذولة حالياً لتعديل القانون رقم 1 لسنة 2005 بشأن المصارف وصياغة اللائحة التنفيذية للقانون رقم 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري ومباشرة صياغة اللائحة التنفيذية للقانون رقم 11 بشأن سوق المال،

وكذا إقحام المزاولين للمهنة بمن فيهم حملة المؤهلات الدقيقة في عضوية لجان هيأة سوق المال المختصة بصياغة المعايير المتعلقة بالمحاسبة وبإعداد التقارير المالية للشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية والمعايير المتعلقة بمراجعة حسابات تلك الجهات لتكن في ذلك فرصةٌ لتحقيق التوافق بين بعض الأحكام المتعلقة بالمعايير كما وردت في القانونين رقم 11 لسنة 2010 ورقم 23 لسنة 2010.