إدارة الأرباح

ياسر محمد البرغثي  بتاريخ   2012-06-07
تعتبر القوائم المالية الأداة الرئيسة للتواصل بين إدارة المنشأة ومستخدمى المعلومات المحاسبية ، فهى تتضمن المعلومات التي يعتمد المستخدمون عليها فى تقييم أداء الإدارة وفي إتخاذ القرارات الإقتصادية ، ولأن الإدارة هي الجهة المسؤولة قانوناً عن إعداد البيانات المالية الختامية فإنها وطبقا لنظرية الوكالة سوف تعمل على إظهار القوائم المالية بما يخدم مصالحها الذاتية التي قد تتعارض مع مصلحة الأطراف الأخرى .
وعندما تتدخل الإدارة لإظهار البيانات المالية الواردة بالقوائم المالية للمنشأة متحيزةً لصالحها وعلى نحوٍ يتناسب مع رغباتها وبالشكل الذي يحقق أهدافها فإنها بذلك تمارس ما أُصطلح على تسميته بإدارة الأرباح .
ويتصف مفهوم تدخل الإدارة للتأثير على البيانات المالية الختامية ببعض الخصائص من بينها :
1. يتم التعديل عن طريق إدارة المنشأة وليس عن طريق المحاسبين.
2. يتم التعديل عن قصد وتعمد، وهي بذلك تختلف عن الأخطاء غير المقصودة التى يرتكبها المحاسبون.
3. يعتمد مدى التدخل فى تعديل البيانات المالية الختامية للمنشأة على المدى الذى ترغبه الإدارة.
4. يمكن أن يتم التعديل عن طريق الإجراءات والقيود المحاسبية كما يمكن أن يكون عن طريق تصميم العمليات والأحداث المالية الحقيقية وتوقيتها بما يتناسب ورغبة الإدارة أو كلاهما معاً. وتسمى الطريقة الاولى بإدارة الأرباح المصطنعة أو المحاسبية لأنها لا تؤثر فى التدفق النقدي ، بينما تسمى الطريقة الثانية بإدارة الأرباح الحقيقية أو الإقتصادية حيث أن تطبيقها يؤثر على التدفقات النقدية للمنشأة.
5. ليس هدف إدارة الأرباح هو بالضرورة رفع صافى الدخل وتحسين صورة القوائم المالية إذ يمكن أن يتم التدخل من أجل تخفيض صافى الدخل الحالى أو تنسيقه بما يتناسب مع الدخل المحقق فى السنة الماضية ، فإذا كانت نتيجة النشاط تقل عن المستوى المستهدف والمرغوب من قبل الإدارة فإنها إما أن تستخدم خبرتها ودرايتها بالأساليب المحاسبية أو أن تقرر القيام ببعض العمليات أو تأجيلها من أجل خلق أرباح أضافية وبالتالى تعلية صافى الدخل والعكس صحيح.
إن تدخل الإدارة للتأثير على البيانات المالية الختامية للمنشأة يمكن أن يتم باستخدام وسيلة أو أكثر من الوسائل التالية:
1. توقيت الإعتراف بالإيراد ؛ كأن قد تقوم الإدارة بالإعتراف بالإيراد قبل أوانه رغبة فى زيادة دخل الفترة الحالية أو أن تؤجل الإعتراف بإيراد يخص الفترة الحالية إلى فترة لاحقة إذا أرتأت الادارة أن الأرباح الحالية فى المستوى المطلوب.
2. توقيت مصروفات التشغيل ؛ كأن تعمد الإدارة إلى تأجيل مصروفات تشغيلية أنفقت وأستحقت خلال الفترة الحالية إلى فترة لاحقة بهدف تخفيض المصروفات وزيادة الدخل.
3. المبالغة فى تقدير الإلتزامات ؛ وذلك عندما تلجأ الإدارة إلى تقديرات مبالغ فيها بشأن بعض الإلتزامات أو المخصصات من أجل التأثير على نتيجة نشاط الفترة الحالية، كأن تقوم على سبيل المثال بتخفيض مخصص الديون المشكوك فيها للسنة المالية الحالية إذا كانت نتيجة النشاط دون المستوى أو تقوم بإنشاء مخصص مبالغ فيه للسنة المالية الحالية إذا كانت نتيجة النشاط فوق المستوى المطلوب بقصد تخفيض الدخل للإستفادة من هذه الزيادة فى فترات لاحقة بهدف التقليل من تقلبات الدخل، ويسمى هذا الأسلوب في إدارة الأرباح بتسوية أو تمهيد الدخل Income Smoothing.
4. إنشاء وتطبيق عمليات حقيقية ؛ بعكس الطرق السابقة والتى ترتكز على إدارة الارباح محاسبياً أى بإستخدام طرق وأساليب محاسبية، يمكن للادارة أن تقرر القيام بأعمال تشغيلية حقيقية تؤثر على التدفق النقدي بقصد تعديل الارباح وتسويتها.
ولا شك أن تدخل الإدارة للتأثيرعلى القوائم المالية والبيانات المتضمَّنة بها يؤثر على عدالة القوائم المالية كونها لا تعكس الأداء الحقيقي للمنشأة بسبب تعرضها للتمويه أو التشويه وتؤثر بالتالي وبشكل كبير على جودة القوائم المالية ما يجعل القرارات التى تبنى عليها غير ملائمة للتنبؤ بالتدفقات النقدية المستقبلية وبمستقبل المنشأة بصفة عامة .
ويثور الجدل عادة حول ما إذا كان هذا التدخل من جانب الإدارة لتعديل البيانات المالية الختامية هو تدخلٌ مشروع أم غير مشروع وذلك في الواقع أمرٌ لا يخلو من الصعوبة حيث يفصل بينهما خيط رفيع ، ففي حين ترى إحدى المنظمات المهنية أن ممارسة إدارة الأرباح تعكس بوادر ومقدمات لإرتكاب عمليات غش وتضليل فهم يرون أن إستخدام الإدارة للحكم الشخصى أثناء إعداد القوائم المالية أو عند إتخاذ القرارات التسييرية لغرض التأثير على القوائم المالية سوف يؤدي إلى تضليل بعض المستخدمين حول الأداء الإقتصادي للمنشأة أو إلى التأثير على بنود الإتفاقيات التى تعتمد على الأرقام الواردة بالقوائم المالية ، في حين يرى البعض أن هذا التدخل من جانب الإدارة لا يعتبر غشاً أو تضليلاً من الناحية القانونية والمهنية طالما كان يقع فى حدود المعايير المحاسبية المقبولة والمتعارف عليها ومن دون الخروج عن النصوص والتشريعات القانونية المنظمة لعمل المنشأة أما إذا تم التأثير على البيانات المالية الختامية من خلال المخالفة الصريحة لمعايير المحاسبة أو للتشريعات القانونية كإثبات مبيعات وهمية أو تزوير مستندات فإن ذلك يعتبر إحتيالاً وغشاً لما ينطوي عليه من حذفٍ متعمدٍ وتشويهٍ مقصودٍ لحقائق مهمة او معلومات محاسبية تؤدى بقارئ القوائم المالية إلى تغيير حكمه أو قراره حول القوائم المالية للمنشأة ، ولعله مما يساعد في مجال تحديد مشروعية إدارة الأرباح من عدمها التعرف على دوافع الإدارة لهذا التدخل من جانبها للتأثيرعلى القوائم المالية والبيانات المتضمَّنة بها ، وفي هذا الصدد تشير الدراسات والأبحاث إلى أربعة عوامل رئيسة يشكل وجودها مجتمعةً أو وجود واحدٍ أو أكثر منها مؤشراً على إحتمالية وجود إدارة أرباح تؤدي إلى تخفيض جودة هذه القوائم المالية وبالتالى عدم ملاءمتها فى إتخاذ القرارات الإستثمارية ، نعرض لها بإيجازٍ فيما يلي:
1. الحاجة إلى التمويل :
تشترط بعض المصارف وبعض جهات التمويل لمنح القروض والتسهيلات الإئتمانية توافر نسبٍ معينة من السيولة والربحية ما قد يضطر المدير إلى أن يتدخل فى بعض بنود القوائم المالية من أجل توفير الإشتراطات المطلوبة للحصول على التمويل اللازم ، وقد يستمر المدير فى هذه العملية طوال فترة الإئتمان تفادياً لعملية فسخ الدين.
2. مكافآت الادارة :
غالباً ما تنص عقود ونظم تأسيس الشركات على صرف مكافآت للإدارة بنسبة من صافى الدخل فذلك يشكل حافزاً أساسياً لرفع الأرباح عن المستوى الحقيقى إضافةً إلى ما يمثله ذلك كوسيلة من وسائل المحافظة على المركز الوظيفي للإدارة .
3. التشريعات القانونية :
في حين قد تدفع التشريعات الضريبية المجحفة الإدارة خصوصاً في شركات القطاع الخاص سيما الشركات المملوكة لعددٍ قليل من المساهمين إلى تخفيض الأرباح من أجل تخفيض العبء الضريبى ، فإن بعض التشريعات التجارية التي تنص على وجوب تصفية المنشأة إذا بلغت الخسائر حداً معيناً قد تدفع الإدارة للعمل على تحسين صورة المركز المالى ومحاولة رفع الدخل تفادياً للتدخل القانوني الذى قد يؤدي إلى تصفية وحل المنشأة.
4. سوق الأوراق المالية :
تعتبر رغبة الإدارة في المحافظة على أسعار الأسهم بسوق الأوراق المالية إحدى أهم الحوافز والأسباب التى تدفعها إلى التلاعب بالقوائم المالية ذلك أن هاجس المحافظة على أسعار الأسهم فى سوق الأوراق المالية وضمان إرتفاعها يؤرق المدير ويشغل تفكيره باعتبار أن أسعار الأسهم بالسوق تعبر عن مستوى أداء المنشأة والإدارة بشكل خاص ، كما أن المنشأة عندما تفكر فى طرح أسهم لغرض زيادة رأس المال فإنها تهتم كثيراً بالبيانات المدرجة بالقوائم المالية وبالتالى قد تقوم بتعديلها لتحقيق هذا الغرض ، إلا أن هذا الدافع قد لا ينطبق على البيئة الليبية بسبب حداثة سوق الأوراق المالية.
إن ظاهرة إدارة الأرباح صارت واسعة الإنتشار بين معدي القوائم المالية وحازت الإهتمام من عديد فئات مجتمع الأعمال خصوصاً بعد الإنهيارات المالية وحالات الإفلاس للشركات العالمية مثل شركة إنرون للطاقة عام 2002 وهي الحادثة التى أعقبها إنهيار المراجع الخارجى لحساباتها شركة آرثر إندرسون إحدى كبرى شركات المحاسبة العالمية كونه لم يتمكن من التحقق من عدالة تمثيل القوائم المالية للمركز المالى للشركة ما أدى إلى التقليل من ثقة الجمهور فى تقرير المراجع الخارجى بل والشك في جدوى وجود مراجع خارجى ، ولذلك وجب أن يكون المراجع الخارجى على درايةٍ ووعى تامين بالبيئة التى تعمل فيها الإدارة وكذلك بالمعايير المحاسبية المعمول بها والتشريعات المنظمة لعمل المنشأة بما يؤهله لإكتشاف أية محاولة من قبل الإدارة للتلاعب فى بيانات القوائم المالية كما يتعين عليه الإحاطة بالظروف والمسببات التى تدفع بالإدارة للتورط فى إدارة الأرباح وكذلك بالطرق والأساليب المحاسبية التى يمكن أن تساعد في الحد من إنتشار هذه الظاهرة .



ياسر محمد البرغثي
محاسب ومراجع قانوني