أزمة غذاء متوقعة جراء أسوأ جفاف في أمريكا وارتفاع أسعار الحبوب

«الاقتصادية»  بتاريخ   2012-07-15
أدى ما يبدو أنه أسوأ جفاف تشهده الولايات المتحدة في ربع قرن لموجة صعود في أسعار السلع الأولية في الأسواق العالمية وسجلت أسعار الحبوب الأساسية مستويات مرتفعة كانت قد أدت في آخر مرة شهدتها الأسواق لأزمات غذاء في بعض المناطق.

وتقوم دول كثيرة تعتمد بشدة على الاستيراد بتقليص وارداتها في الوقت الحالي والاعتماد على مستوى جيد لديها من المخزونات على أمل أن تدخل حبوب من مصادر أخرى السوق وتدفع الأسعار للانخفاض. لكن هذه الآمال وفقاً لتحليل رويترز قد تتبدد لو عادوا جميعا للجوء إلى السوق في نفس الوقت، وليس من الغريب أن ترتفع الأسعار نحو 40 في المائة في الأسابيع الثلاثة الماضية مع تضاؤل التوقعات لإنتاجية محاصيل الحبوب بسبب الجفاف الشديد. وسجل سعر فول الصويا مستوى قياسيا يلاحقه القمح.

وقال شون ماكمبرديج المحلل لدى يجفريز باتشي إن فرص الإنتاج بدت رائعة وربما ولدت إحساسا زائفا بالأمن لدى هؤلاء المستخدمين النهائيين، "في تلك المرحلة كنا نتوقع أسعارا للذرة دون خمسة دولارات لو ظل الطقس مناسبا لكننا الآن ارتفعنا بشدة".

ويبلغ سعر الذرة في العقود الآجلة المضمونة بمحصول 2012 أكثر من سبعة دولارات للبوشل ويرتفع السعر سريعا، وقال تجار إن المستهلكين في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط قلصوا مشترياتهم المعتادة متوقعين أن تتراجع الأسعار.

وتابع التاجر: "هذه بالنسبة لي قنبلة موقوتة. أنا عادة واحد من الذين يتوقعون هبوط الأسعار لكنني لن اندهش لو بلغ سعر بوشل الذرة عشرة دولارات".

وهناك أوجه شبه كبيرة بين الوضع الحالي وأزمات الغذاء التي شهدتها الأعوام القليلة الماضية بما في ذلك طقس قائظ ومحاصيل متضائلة وأسعار فلكية، وبالإمكان وضع موجة الجفاف ومحصول الذرة الأمريكي في 2012 مكان انهيار المحصول الروسي في 2010.

وتمتد أوجه الشبه أيضا إلى وضع الاقتصاد الكلي فقد شهد عام 2008 - وهي آخر مرة بلغت فيها الأسعار هذه المستويات الحالية - تفجر أزمة مالية متفاقمة بانهيار بنك ليمان براذرز. والآن زعزعت أزمة الديون الأوروبية استقرار منطقة اليورو وهناك مناطق أخرى على حافة الهاوية.

وأدى عدم اليقين للتقلبات في جميع الأسواق هذه المرة كما حدث في المرة الماضية لكن القاسم المشترك المتمثل في العرض والطلب كان هو القوة الدافعة في أحدث صعود لأسعار الحبوب وكانت الأحوال الجوية العامل الأساسي الوحيد ذي الحيثية.

وهذا الشراء المحموم يؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من تضخم أسعار الغذاء وقد يكون ارتفاع الأسعار المحلية نقطة اللاعودة في دول يعاني سكانها بالفعل.

وتبدي هيئات شراء الحبوب الرسمية في أكبر الدول المستوردة مثل مصر وإيران والصين والهند تفاؤلا حتى الآن وهم متحدون في إيصال رسالة الثقة بمستويات المخزونات المحلية وقدرتهم على تفادي صعود الأسعار الحالي.

وقالت مصر أكبر مستورد للقمح في العالم والتي تستورد أكثر من عشرة ملايين طن سنويا إن لديها مخزونا استراتيجيا يكفي تقريبا لأكثر من ستة أشهر حتى كانون الثاني (يناير). وقال نعماني نعماني نائب رئيس الهيئة العامة للسلع التموينية المصرية الأسبوع الماضي: "بالطبع من غير المرجح أن ندخل الأسواق الآن لشراء قمح للشحن في آب (أغسطس) لأن مشترياتنا من القمح المحلي تجعلنا في وضع مريح للغاية".

وفي آسيا تكون لدى الصين والهند مخزونات وفيرة من القمح والأرز بفضل حصاد شبه قياسي في السنوات القليلة الماضية. وقالت مصادر في قطاع تصدير الذرة الأمريكي إن الصين وكوريا الجنوبية حجزتا شحنات إضافية تحسبا لمشاكل في المعروض وارتفاع الأسعار.

وأعاد صعود الأسعار للأذهان ذكريات أزمة الغذاء في 2007 و2008 حينما أضافت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) 75 مليونا لتقديرها لمن يعانون جوعا مزمنا في العالم. وحددت تقديرات أخرى الزيادة بما يصل إلى 160 مليونا. وارتفع مؤشر مجلس الحبوب العالمي لأسعار الحبوب والبذور الزيتية الأسبوع الماضي لأعلى مستوياته منذ تموز (يوليو) 2008. والمؤشر متوسط مرجح لأسعار القمح والذرة وفول الصويا وعلف الصويا والأرز والشعير والسرغوم وبذور اللفت. وعلى الرغم من أن مخزونات الحبوب حاليا أعلى منها في 2008 بنسبة 25 في المائة وفقا لبيانات المجلس فإن الشيطان يكمن في التفاصيل إذ تمتلك الصين مخزونا كبيرا من القمح والذرة ومن المستبعد أن تضخه في الأسواق العالمية. وارتفع استهلاك الحبوب بشكل مطرد في السنوات القليلة الماضية. وتوقع مجلس الحبوب في وقت سابق هذا الشهر نمو الاستهلاك 1.8 في المائة في 2012 - 2013 مدعوما بارتفاع استهلاك اللحوم خاصة في الدول النامية.

وتقول مصادر تجارية إن إيران في الوقت الذي تلتقط فيه أنفاسها من نوبة شراء مكثف في وقت سابق من العام الحالي خوفا من العقوبات وتحصي محصولها المحلي فهي تراجع الأسعار يوميا وعينها على مشتريات أكبر من القمح.

ودخلت مفاوضات حول صفقات قمح بملايين الأطنان بين إيران وباكستان طريقا مسدودا ومن شأن انهيارها أن يزيد حدة احتياج طهران لشراء القمح.

وتعاني سورية من مشكلة مزمنة إذ إن الأثر غير المقصود من العقوبات على نظام الرئيس بشار الأسد جعل الدولة التي مزقتها الأزمة غير قادرة على شراء كميات كبيرة بما يكفي لتلبية احتياجاتها من واردات الحبوب التي تبلغ نحو ثلاثة ملايين طن.

وفشلت مرارا محاولات سورية لتنفيذ صفقات مع ارتفاع الأسعار بشكل متزايد. وقال ألان فريزر محلل شؤون الشرق الأوسط في إيه.كيه.اي إنه في ضوء أن الاقتصاد مبعث قلق بالفعل سيؤدي ارتفاع أسعار الحبوب لضغط متزايد على الحكومة السورية، وتابع أن احتياطي النقد الأجنبي هبط لمستوى قياسي جديد ويتراجع بمعدل سريع مع تراجع التجارة وقدرة البلاد على جمع الضرائب.

وتتوقع تايلاند أكبر بلد مصدر للدجاج المجمد في آسيا أن يغذي ارتفاع أسعار الذرة وفول الصويا تضخم أسعار المواد الغذائية مع ارتفاع تكلفة العلف الحيواني.

والعزوف عن الاستيراد لتجنب أثر ارتفاع الأسعار يبدو أمرا معقولا، ويحجم المغرب حاليا عن الشراء لكنه يحتاج إلى استيراد أعلى كمية من الحبوب في ثلاثة عقود نتيجة ضعف المحصول المحلي. وهبط محصول الحبوب في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا من 8.4 مليون طن في 2011 إلى 5.1 مليون طن هذا العام.

وقال تاجر حبوب في سنغافورة: "رفض المشترون العروض في الأسبوعين الماضيين متوقعين انخفاض الأسعار. رأينا ذلك في كوريا الجنوبية والفلبين وفيتنام، ولكن إلى متى يمكنهم الانتظار".

وسيبذل المستوردون قصارى جهدهم للصمود انتظارا لمحصول الحبوب الجديد في أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) من عدة مصادر منها شرق أوروبا حيث أصبحت دول البحر الأسود موردا رئيسيا للحبوب في الأسواق العالمية بأسعار رخيصة، إلا أن هذه المناشئ تتعرض لضغوط هي الأخرى.

فقد أجبر الطقس الحار والجاف روسيا وأوكرانيا وكازاخستان على تقليص توقعاتها للمحصول وقد ينخفض المحصول الإجمالي للمنطقة بمقدار 35 مليون طن على الأقل مقارنة بعام 2011.