سويسرا تــُصدّر نظامها في مجال التدريب المهني

swissinfo  بتاريخ   2012-08-27
أمام الارتفاع الهائل لمعدل البطالة في صفوف شبابها، اهتمت بريطانيا مؤخرا - وسبقها في ذلك عدد من البلدان- بنموذج التكوين المهني السويسري الذي يقوم على مبدأ "الازدواجية" بحيث يمزج بين التعلــّم في المدارس والعمل في الشركات.
وبات يُنظر أكثر فأكثر إلى هذا النظام بأنــه الحلّ لمعضلة بطالة الشباب.

تتجول مجموعات صغيرة من الشبان المرتدين بـــذلات عصرية وأحذية رياضية بين أروقة عرض "هاوس أوف سويتزلاند" الذي أقيم كمنصة للترويج لــسويسرا خلال الألعاب الأولمبية التي احتضنتها مؤخرا العاصمة البريطانية. هؤلاء المراهقون اللّندنيون قدموا للتعرف على نموذج التكوين المهني السويسري.

جامي، 19 عاما، يقول: "لا أفعل الشيء الكثير لملء حياتي اليومية، وأود العثور على وظيفة في مجال البناء أو الهندسة". شون، 19 سنة أيضا، يأمل حتى في انتزاع عقد عمل في إحدى الشركات السويسرية الــمتواجدة في بريطانيا، مثل "حلول البريد السويسري"، وهي فرع للبريد السويسري وتوظف 80 متدربا في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

وتــُعتبر هذه الشركة رائدة في بريطانيا التي لا تتجاوز فيها نسبة الشركات التي تقترح التدريب المهني 8%. ما يثير استياء البارونة ويلكوكس، الوكيلة البرلمانية المعنية بشؤون الشركات والابتكار والمهارات، التي قالت: "لقد قصرنا كثيرا في التركيز على المهارات العملية في السنوات الأخيرة بسبب العجرفة الكامنة ضدها".

بطالة مزمنــة
لازال يُنظر إلى الجامعة في المملكة المتحدة على أنها الطريق الوحيد الذي يتيح الوصول إلى سوق العمل، بحيث لا يتـابع سوى 500000 شاب التدريب المزدوج الجامع بين الحياة المدرسية والنشاط المهني. ويقول ريتشارد سكوت، ممثل شركة "حلول البريد السويسري": إن البريطانيين يعتقدون بأن التكوين يقتصر على المــهن اليدوية التي ستجعل من الطالب كهربائيا أو نجارا. فهم لا يعلمون أنه يمكن أيضا للشاب الذي تلقي هذا النوع من التكوين أن يصبح عالم كمبيوتر أو مهندسا".

لكن الأمور لم تكن دائما على هذا النحو إذ "كان هناك تقليد التدريب المزدوج في المملكة المتحدة حتى عقد الثمانينات، ولكن حكومة مارغريت تاتشر قامت بتفكيكه على نطاق واسع انطلاقا من قناعتها بأن الدولة الليبرالية ليست ملزمة بالتكفل بتكوين الشباب. وبرز هذا التوجه أكثر من خلال استراتيجية "العمل الجديد" لحزب العمال البريطاني الذي تولى السلطة في عام 1997، والتي كانت تهدف إلى إيصال 50% من المراهقين البريطانيين إلى الجامعة"، مثلما يذكر لوتس-بيتر بيرغ، الملحق العلمي بسفارة سويسرا في لندن.

وقد بدأت الأوضاع تسير في الاتجاه المعاكس قبل حوالي عشرة أعوام، بحيث أصبحت الحكومة البريطانية تسعى إلى تشجيع التكوين المزدوج بعد أن واجهت تفشي البطالة المزمنة في صفوف الشباب - بحيث يعاني منها 24% منهم – فضلا عن النقص في الموظفين المؤهلين. وقد استثمرت الحكومة 25 مليون جنيه استرليني لخلق 20000 فرصة تدريب جديدة، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة، والتأمين، والهندسة، مثلما توضح البارونة ويلكوكس.

كما تأخذ الحكومة على عاتقها بنسبة 100% تكاليف تكوين المتدربين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاما و50% من أولئك المتراوحة أعمارهم بين 19 و24 عاما. ونتيجة لذلك، زاد عدد المتدربين بنسبة 63% خلال العامين الماضيين.

افتقار للتنسيق
لكن الشركات "لا تشارك بما فيه الكفاية" في هذه الجهود، حسب لوتس-بيتر بيرغ، إذ أن المؤسسات التي تسهر على الجزء "المدرسي" من التدريب - والتي تظل غير ملمة كثيرا باحتياجات السوق - لها وزن كبير في تحديد المناهج الدراسية. ويضيف بيرغ ضمن هذا السياق: "يواجه الشباب ما يشبه أدغالا تعج بمجموعات مختلفة من مقدمي الخدمات، من القطاعين الخاص والعام".

وتفتقر بريطانيا لــشبكة من الــمنظمات التي تنضوي تحت مظلتها جمعيات معنية بمجال التكوين المهني في مختلف أنحاء البلاد، والتي "باستطاعتها تطوير مضامين المناهج الدراسية ووضع نظام موحد لإصدار الشهادات على المستوى الوطني، مثلما يحدث في سويسرا"، مثلما تذكر أورسولا رينولد، مديرة المكتب الفدرالي للتكوين المهني والتكنولوجيا، المنتهية ولايتها. فحاليا، تقوم الشركات في بريطانيا بتطوير نموذجها التعليمي الخاص في غياب أي تنسيق مع نظيراتها.

وأمام هذه التحديات، تريد المملكة المتحدة استلهام الحلول من النموذج السويسري. وقال الملحق العلمي بسفارة سويسرا في لندن بهذا الشأن: "نحن أقمنا حوارا مع الحكومة البريطانية، إذ نزودها بالخبراء، ونرعى جائزة تـُمنح لأفضل المتدربين، كما استدعينا وفدا إلى سويسرا لدراسة نظامنا التعليمي المزدوج".

الهند، والصين، والبرازيل...
وتندرج هذه المبادرة ضمن مساع أوسع لتصدير نموذج التدريب المهني السويسري. وقد أوضحت الحكومة السويسرية في استراتيجيتها المخصصة للتكوين والبحث والابتكار التي نُشرت في يونيو 2010 بضرورة الارتقاء بذلك النموذج إلى "وضع أفضل على المستوى الدولي بصفته ثروة قابلة للتصدير".

وقد سمح مشروع تجريبي انطلق عام 2008 بإدخال نظام التعليم المزدوج في الهند. وأوضحت أورسولا رينولد أن "بعض الشركات السويسرية العاملة في مجال صناعة الآلات التي كانت لها فروع هناك قامت بدور المُرشد" بهدف انتشار هذا النموذج على نطاق أوسع. وقد تعهدت الحكومة الهندية بتكوين 526 مليون متدرب بحلول عام 2020.

وتتابع السيدة رينولد قائلة: "نتطلع الآن إلى توسيع نطاق هذا المشروع ليشمل بلدانا أخرى، مثل الصين، وفيتنام، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، والولايات المتحدة". وفي جنوب أفريقيا، طورت سويسرا تدريبات مزدوجة تتراوح مدتها بين عامين وأربعة أعوام في وظائف فنية (كهربائي، لحّام، خرّاط).

تراخيص للبيع
من جانبه، يقول غريغوار إيفيكو، رئيس مكتب جنيف للتوجيه والتدريب المهني والمستمر: "بسبب مواجهتها لمعدل بطالة مرتفع في صفوف الشباب، تهتم معظم هذه البلدان بنموذجنا". وقد استضاف أيفيكو في السنوات الأخايرة وفودا من الصين، وأندونيسيا، والهند، ومن القارة السمراء. واستدرك قائلا: "لقد شرحنا نظام التدريب المعتمد لدينا حتى للمعارضة البورمية أونغ سان سو كيي". كما وضعت جنيف مشروعا للترويج لنظامها التدريبي في الكاميرون.

وبالنسبة لسويسرا، تظل الفوائد التي يمكن أن تجنيها من تصدير هذا النظام الذي تنفرد به، إلى جانب ألمانيا والنمسا، كثيرة ومتنوعة. ويقول الحكومة السويسرية في الاستراتيجية التي وضعتها عام 2010: "هذا سيسمح بتلبية احتياجات التوظيف في قطاعات الاقتصاد السويسري ووحدات إنتاجه التي استقرت في (بلدان) الاقتصادات الناشئة". وتشير السيدة رينولد، من جهتها، إلى أن ذلك يزيد من قدرة المتدربين على التنقل، والذين سيتم الاعتراف بشهادتهم أيضا خارج الحدود السويسرية.

حلم سويسرا بجعل نموذجها المزدوج "خدمة" قابلة للتصدير أصبح بعد حقيقة على أرض الواقع في الهند حيث بات يتعين على الشركات المحلية الراغبة في استخدام المنهج السويسري الحصول على ترخيص.

جولي زوغ - لندن- swissinfo.ch
(ترجمته من الفرنسية وعالجته: إصلاح بخات)