الفدرالية ليست غايةً بحد ذاتها

محمد بشير البرغثي  بتاريخ   2012-05-31
لم يُجدِ التلميح على صفحات التواصل الإجتماعي ولم يُجدِ التصريح في ميدان الشجرة وفي غيره من الميادين والساحات، فالسادة أصحاب القرار لا يجدون متسعاً من الوقت لإبداء قليلٍ من التعاطف مع طلبات ومطالبات الشعب، مطالبنا كانت بسيطة! العدالة وليس أكثر، من أجلها أُستشهِد الشهداء وتَيتّم الأطفال وترملت النساء، قناعتنا كانت ولا تزال أن العدل هو أساس الملك وأن لا دوام لحكمٍ لا يحقق العدل ولذلك سقط الطغاة تحت أقدام المظلومين، الآن وقد انتقلنا إلى مرحلة التلويح دخلوا هم كذلك الحلبة من دون أن يُدركوا فيما يبدو أننا وإياهم ركابٌ لذات المركب، الآن وقد بدأ بعض المواطنين من سكان برقة في التلويح بالفدرالية سبيلاً لتحقيق مطالب عادلة ومشروعة وممكنةُ التحقيق تحرَّك أصحاب القرار لكن في غير الإتجاه الصحيح فلم يكتفوا بالتلويح باستخدام القوة هذه المرة بل استخدموها بالفعل، قد نجد العذر لإولئك الذين يتخذون من عنوان الفتنة أولاً شعاراً لهم عندما يعمدون إلى صب الزيت على النار، فمن ناحية نَسبوا البيان إلى قبائل المنطقة الشرقية رُغم أن مؤتمر الفدراليين ضم عديد الوجوه التي تنتسب إلى قبائل وإن كانت تنتمي إلى المنطقة إلا أن جذورها تعود إلى مناطق في غرب البلاد وجنوبها ووسطها، ومن ناحية ثانية، انتقدوا إطلاق إسم برقة على المنطقة الشرقية من البلاد وكأن ذلك يمثل جرماً بحد ذاته في حين أن أحداً لا يجد غضاضةً في إطلاق إسم طرابلس أو فزان على مناطق غرب البلاد أوجنوبها، ومن ناحيةٍ ثالثةٍ حمَّلوا بيان الفدراليين أكثر مما يحتمل فرُغم أن البيان وصف النظام الإتحادي الفيدرالي بأنه خيار الإقليم من دون أن يُخفي حرصه على "بناء دولة ليبية موحدة مدنية دستورية شريعتها القرآن والسنة" فإنهم أصرَّوا على أن مُصدري البيان يُعلنون تقسيم البلاد، وفي حين قال البيان أن رئيس مجلس الإقليم الإنتقالي يتولى إدارة شؤون الإقليم والدفاع عن حقوق سكانه "في ظلِّ مؤسسات السلطة الإنتقالية المؤقتة القائمة حالياً واعتبارها رمزاً لوحدة البلاد وممثلها الشرعي في المحافل الدولية" عمد رواد الفتنة إلى الإعلان للناس أن البيان نص على أن المجلس الإنتقالي للإقليم يعلن عن نفسه مُمثلِّاً للإقليم في المحافل الدولية، لن نلتمس العذر لشركائنا في ذات المركب إخوتنا رموز السلطة الإنتقالية ولا لأدوات إعلامهم عندما انساقوا في ذات الإتجاه وبادروا إلى وصف الحدث بأنه مؤامرة مدعومة من الخارج تتطلب التلويح بالقوة لقمعها، كنا نتوقع بل كنا نريد من إخوتنا في مركز القرار أن يكون تقييمهم لبيان الفيدراليين على أنه وجهةُ نظرٍ لمصدريه، قد تكون خاطئة تحتمل الصواب، بدلاً من تقييمه كدعوةٍ إنفصالية تتطلب التجريم والمواجهة بالقوة، فلئن اتفق بعض المواطنين في شرق البلاد وغربها وفي وسطها وجنوبها مع خيارات مُصدري البيان واختلف معهم البعض الآخر فإن المنادين بالفيدرالية والرافضين لها يتفقون جميعاً في أنه وإن كان التهميش طال مدن ليبيا المختلفة فإن نصيب برقة من ظلم واضطهاد وتهميش العهد المقبور كان أكثر من نصيب الأسد، فلماذا أسقط النظام المقبور عن بنغازي صفة العاصمة الثانية للدولة ولماذا نقل عديد المقار الرئيسة لعديد المؤسسات الإقتصادية والإدارية من بنغازي إلى مواقع أخرى، والأمثلة على ذلك تشمل بنك ليبيا والمصرف الصناعي العقاري وخلفِه مصرف الإدخار الذي كانت بنغازي أحد مقرَّيه الرئيسين فصار فرعاً كغيره من الفروع وشركة الخطوط الجوية وكذلك مؤسسة النفط والمؤسسة العامة للكهرباء وأيضاً شركة سوق الأوراق المالية بل وكلية ضباط الشرطة، ليس ذلك فحسب بل إن مدن الشرق التي حباها الله بأن تكون مستودعاً للنفط والغاز لم ينالها من ريع النفط ما يُعوِّضها عما لحقها من خسائر وتلوثٍ بيئي، ذلك قليلٌ من كثيرٍ من مظاهر الظلم والإضطهاد والتهميش الذي مارسه العهد المنهار ضد سكان برقة وضد مناطق رافضة أخرى في غرب البلاد ووسطها وجنوبها، وكأن كلُّ ذلك لم يكن كافياً فبادر النظام الإنتقالي إلى تنفيذ قرار ما كان يسمى "اللجنة الشعبية العامة" المدحورة بإيفاد بعض الشباب للدراسة في الخارج مكافأةً لهم على تهليلهم وتطبيلهم للنظام المقبور في باب العزيزية من باب الشماتة في شبابنا الذين اُستشهدوا وهم يدكُّون أسوار الكتيبة في بنغازي! فهل كان سيظهر علينا من ينادي بالفيدرالية لو تجاوبت السلطة مع مطالبات المواطنين التي أذاعوها من خلال عديد المنابر ووسائل الإعلام وميادين الإعتصام في ميدان الشجرة ببنغازي وفي غيره من الميادين في عديد المدن الأخرى لو أن حكامنا الإنتقاليين الذين يرسمون لنا طريق مستقبلنا الدائم أعلنوا على رؤوس الأشهاد أن صياغة دستور البلاد ستكون بطريقٍ توافقي لا يستند على الأغلبية السكانية بل على الرقعة الجغرافية، وأن اللامركزية الإدارية ستكون هي الأساس في إدارة الدولة بنصٍ في الدستور وأن نسبةً من إيرادات الموارد الطبيعية سوف تُخصص لتطوير المنطقة التي تُكتشف فيها تلك الموارد بنصٍ في الدستور وأن بنغازي ستكون عاصمةً اقتصادية للدولة بنصٍ في الدستور وأن ما كان استلبه النظام المقبور من بنغازي من مؤسسات اقتصادية بما فيها ذلك البرج المدينة التجارية المتعددة الطوابق الذي شهد العالم أجمع حفل وضع حجر أساسه في كيش بنغازي منذ أكثر من ربع قرن من عمر النظام المنته ستعود إليها فوراً وبقرار من المجلس الوطني الإنتقالي غير قابلٍ للرجوع عنه، الآن، وقبل فوات الأوان!.