المنشور المفقود

سعد عبدالعالى الفضيل الشلمانى  بتاريخ   2012-06-15

المنشور المفقود
بقلم: سعد عبدالعالى الفضيل الشلمانى

قصة منشور وزع فى بنغازى فأزعج السلطات وأرق النظام ودوخ اللجان الثورية وأثار جدلاً كبيراً في الثمانينيات ولم نجد منه نسخة واحدة متبقية حتى الآن، والهدف من سرد هذه القصة أن يكون عند أحد ما فى مكان ما –خاصة طلاب وأساتذة جامعة قاريونس عام 1980- نسخة منه فيدلنا عليها مشكوراً ، فهو يحكى قصة شجاعة مجموعة من مناضلى بنغازى وابطال شعبنا وجنوده المجهولين اللذين نحسب أنه قد حان الوقت للحديث عن شجاعتهم تضحياتهم، في وقت كان من أشد الأوقات وأصعبها في مسيرة نضالات شعبنا ضد الدكتاتورية والبطش والطغيان، التي تكللت بالانتصار على يد الشباب فى فبراير 2011م، وتفاصيل القصة كالاتى:

عام 1980 اشتدت حدة اجرام نظام الطاغية في التعامل مع الليبيين الاحرار فزادت وتيرة العنف والاغتيالات السياسية فتمت التصفية الجسدية لعدد من المواطنين الليبيين والرموز السياسية في الداخل والخارج، فبعد أعدام اول شهيدين فى 7 ابريل 1977 وهما عمر على دبوب ومحمد الطيب بن سعود ومجموعة الضباط المتهمين فى حركة 1975 جرت عام 1980 تصفية عامر الطاهر الدغيس ومحمد فرج حمى بالداخل ومحمود نافع ومحمد مصطفى رمضان وغيرهم كثيرين في الخارج وكذلك تحت التعذيب داخل أقبية السجون.
كانت عناصر اللجان الثورية داخل الجامعة تطلق علينا لقب طلقاء السابع من ابريل بمعنى اننا اللذين سجنا فى 7 ابريل 1976 ثم تم التجمل علينا باطلاق سراحنا، وكانت تتابع نشاطاتنا وتترصد خطواتنا وكنا كطلاب فى الجامعة آنذاك نعيش تلك الاجواء الملبدة بالحزن والقلق الممزوج بالخوف نتيجة ما آلت اليه الأمور في ليبيا وما يعانيه ابناء شعبنا من تقتيل وتعذيب واهانات وزج بالشباب فى المعسكرات والدخول بليبيا في مغامرات عسكرية وكذلك الزحوفات ومصادرة الاملاك وطرد الطلاب والاساتذة من المدارس والجامعات. باختصار كان الجو مشحوناً ومحتقناً غاية الاحتقان وكانت هناك حاجة للعمل بشكل من الاشكال فكانت فكرة توزيع ذلك المنشور.
كتبت المنشور على آلة طابعة صغيرة الحجم –باستخدام الكربون- كان الوالد (الحاج عبدالعالى وهو ضابط في قوة دفاع برقة سابقاً) يحتفظ بها من فترة الستينيات وكررت طباعته عدة مرات حتى تحصلت على عدد لا بأس به من النسخ، وفى صبيحة أحد ايام شهر مايو وكان يوم 7/5/1980م نقلت المنشورات فى سيارتى الصغيرة الى الجامعة وتوقفت بمحطة السيارات الواقعة بين كلية الاقتصاد والمكتبة المركزية وقمت بتوزيع المنشور على الابطال الأربعة واخذت مجموعة لنفسى وأنا خامسهم وانطلقنا كل الى المكان الذى سيوزع فيه فذهب بعضنا الى كلية الاقتصاد ويعضنا الى كلية الاداب وبعضنا الى كلية القانون وبعضنا الى المكتبة المركزية وبعضنا وزع المنشور فى أكثر من مكان بما فى ذلك خارج الجامعة فى وسط مدينة بنغازى.
مر ذلك اليوم بسلام وبرعاية الهية لم يتم اكتشاف اى منا وهو يقوم بذلك العمل الجد خطير فى تلك الفترة التى كانت اللجان الثورية والاجهزة الامنية تتابع كل كبيرة وصغيرة، ولكن رعاية الله حمت المجموعة واعمت أعين اتباع النظام عنهم، كما أن حرص وتكتم المجموعة ساهم فى عدم الكشف عنها (وأذكر أن أفراد المجموعة الخلية لم يكونوا يتحدثون عن الموضوع حتى بين بعضهم البعض طيلة الواحد والثلاثين سنة الماضية الا فيما ندر وبسرية تامة)، (للأسف علمنا أنه تم القبض على طالبان من مصراته والتحقيق معهما حول المنشور وأفادنى الطيب المحيشى أخيراً أنه قد أعتقل ومعه زميله فاضل الولده وهما من طلاب كلية الاقتصاد ونقلا الى معسكر 7 ابريل وتعرضا للتعذيب الشديد والمسائلة حول امكانية انتمائهما لتنظيم معين واى علاقة ممكنة لهما بتوزيع المنشور، وانكرا كل ذلك فتم الافراج عنهما ومنع الطيب من مواصلة دراسته كطالب نظامى فى الفصل الدراسى الأخير المتبقى لتخرجه بينما تخرج فاضل فى نهاية ذلك الفصل).
فى الايام التى تلت ذلك اليوم لوحظ نشاط محموم لبعض أعضاء اللجان الثورية وخاصة أحمد ابراهيم المعروف وصالح ابراهيم الطالب بكلية الاقتصاد وتسربت الاخبار ان مناشير قد وزعت بالجامعة وأن بعض الاساتذة وجدوا المنشورات فى مكاتبهم فقاموا بتسليمها لمثابات اللجان الثورية بالكليات.
فى الايام التى تلت توزيع المنشور قامت اللجان الثورية بتوزيع منشور من صفحتين عنوانه (منشور ثورى: ماذا بعد المناشير ..وبعد الانذار والتحذير) جاء فيه: بعدما كشفت اللجان الثورية الغطاء عن قوى التخلف والفساد التى ما زالت تتمترس بجامعة قاريونس وتظن أنها فى مأمن من التصفية ومن المداهمة ثم وجدت نفسها فى ورطة تاريخية أوقعت نفسها بها من حيث لا تدرى .. فاصبح التعايش معهم مستحيلاً سواء فى المجتمع أو فى الجامعة. ويستمر المنشور الثورى فى القول: ان اللجان الثورية وقد حصرت العناصر المستهدفة .. ستبدأ بتطبيق برنامجها حيالها.
الغريب فى الأمر أن المنشور السرى لم يرد ذكره فى المنشور الثورى الأول الذى حمل عنوان ماذا بعد المناشير؟ بل فى المنشور الثورى الثانى الذى أعقبه بعدة أيام من ثلاث صفحات تحت عنوان (هذه ليست انسانية ولكنها هروكة وتفريط.) والذى جاء فيه: دائماً .. يتكرر سؤال بعينه لدى القوة الثورية مفاده.. هل الجامعة ثورية؟ ويواصل : لماذا تبرز الأعمال المضادة لسلطة الشعب وللقومية العربية وللاسلام الالهى فى الجامعة اذا كانت الجامعة ثائرة؟؟..
لماذا تحارب اللجان الثورية وتحاصر.. ويشعر أفرادها بأنهم فى محيط معاد للثورة بالكامل وهم فى جامعة قاريونس وليسوا فى شارع الهرم؟.. ان جامعة قاريونس – وبصريح العبارة – ليست جامعة ثائرة وليس طلابها واساتذتها كلهم ثوار ولكن بعضهم وهم الطرف الأقوى (مادياً ...) واجتماعياً من الرجعيين المضادين للحياة والمضادين للحرية..
ان وجود هؤلاء الخونة فى الجامعة هو الذى جعل عدد أعضاء اللجان الثورية فى تناقص.. ووجودهم بالجامعة هو الذى جعل حركة الفكر الثورى ضئيلة وغير راسخة لأنهم يحاربونها باساليبهم ..... حتى وصلوا أخيراً الى ان يحاولوا توزيع منشور يسبون فيه الشعب الليبي ويشتمون فيه الثورة الشعبية وسلطة الشعب ويحرضون فيه على استعباد الشعب ومحاربة الجماهير .. علناً ولا يخجلون. ثم يسيئون فيه الى رموز الشعب الليبي فى الجهاد والثورة...
ويستمر المنشور الثورى فى القول: ان وجودهم فى الجامعة حتى اهانتهم لنا ومحاولتهم تضليل الطلاب والعمل فى تيار معاكس لحركة التقدم والثورة جعلتنا نفتح ملفهم .. لنتخذ قراراً نهائياً بخصوصهم وهم على أبواب الامتحانات.. اللجان الثورية التي يقع فى اطارها اعداد من هؤلاء تقوم بحصرهم ومعرفتهم معرفة مباشرة .. استعداداً للمواجهة التى لابد أن تتم معهم اذا لم يقوموا بتعديل موقفهم المعادى للشعب والمضاد للتقدم.
الملفت أن المنشوران الثوريان اللذان اصدرتهما اللجان الثورية رداً على المنشور الذى قمنا بتوزيعه جاءت فيهما اشارات مباشرة له حيث جاءا معنونان بالآتى: (منشور ثورى .. هذه ليست انسانية.. بل هروكة وتفريط) و (منشور ثورى.. ماذا بعد المناشير .. وبعد الانذار والتحذير) رداً على عنوان منشورنا ذو الصفحة الواحدة الذى كان عنوانه ( لقد فاض الكيل وبلغ السيل الزبى ).
وختما بعبارات مثل عاشت ثورة الفقراء الكادحين و عاشت ثورة شعبنا الظافرة .. والفناء والاندثار لأعداء الحياة و التقدم .. أعداء الحرية أعداء سلطة الشعب.
وكان منشورنا قد ختم بعبارة: الموت للطغاة الفاشيين والنصر لجماهير شعبنا المناضلة. وفى الوقت الذى وقعت فيه منشوراتهم باسم اللجان الثورية تم توقيع منشورنا باسم (أعداء الفاشية).
هذه باختصار قصة المنشور الضائع المفقود.
فهل احتفظ أحد من طلاب وأساتذة ورجال أمن وحتى اعضاء اللجان الثورية بجامعة قاريونس للعام 1980 بنسخة من هذا المنشور؟ فقط للتاريخ فاولئك الابطال ( رحومه، جعوده، الفقى، بن زبلح ) اللذين غامروا بالتضحية بأرواحهم بقيامهم بتوزيع ذلك المنشور فى بنغازى فى أصعب المراحل يرغبون فى رؤية ذلك المنشور الذى لم يستطيعون الاحتفاظ بنسخة منه لخطورة ذلك بينما احتفظوا بمنشورى اللجان الثورية التى جاءت رداً على ذلك المنشور. هناك مكافأة معنوية لمن يعثر على أو يقوم بتسليم المنشور أو ارشادنا اليه. يالها من أيام!!