ألا فاعدلوا

نوري الرزيقي   بتاريخ   2012-07-04
ألا فاعدلوا
العدل هو أساس من أسس الحياة، قال تعالى: "إعدلوا هو أقرب للتقوى" 9 المائدة، به ترقى الأمم وتتقدم ،وبه ينال الناس حقوقهم وتحفظ كرامتهم، وما قام الليبيون قومتهم المذهلة وتقديمهم الغالي والنفيس إلا من أجل الخروج من الظلمات إلى النور والمساواة ونيل الحقوق التي عشنا بدونها طيلة أربع عقود حالكات فقدنا فيها كل شيء تقريباً تحت حاكم ظالم كافر فاسق زنديق، "وأريد أن أسجل عجبي هنا من قوم يدافعون عن ذلك الكافر الفاسق الزنديق لعنه الله ويتخذونه ولياًّ ؟ ومتى كان الكافر الفاسق الزنديق الظالم في الإسلام ولياً ؟ ويتخذون الدين لذُلّهم وجهلهم وقصر نظرهم مطيّة ؟؟؟" أفلا يتدبّرون ؟ فقدنا العزة والحرية والكرامة، حتى هانت على الليبيُّ الأبيُّ الغيور نفسه فدفع بها في سبيل الحرية والكرامة التي منحها الله لنا، فهي ليست منّةٌ من أحد، قال تعالى {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر وفضّلناهُم على كثير مّمّن خلقنا تفضيلا} 70 الإسراء. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتُهم أحراراً". عجبي على من كرّمه الله وجعله حرا ويأبى ولا يعيش إلا بالعبودية والتبعية لظالم جسور، فاسق جهول؟ فهؤلآء لا يهمهم من هو الحاكم المُهاب فليس الفضول من طبائع ....نسأل الله أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل.
في رؤية لواقع الحال في ليبيا نلاحظ انحراف واضح عن العدل والمساواة التي ضحّى أبطالنا رحم الله ميّتهم وأكرم حيّهم من أجلها، فاختلّت الموازين وانحرف بنا الطريق لأسباب عدّة يشترك فيها الجمعُ حكومةً ومجلساً وشعباً، فالكل مسؤول عن جانب من جوانب بناء الدولة أو عرقلتها. فالحمد لله الذي يسّر لنا نيل الحرية واستعادة الكرامة المسلوبة فصار صغيرنا يتكلم قبل كبيرنا وسفيهنا قبل عاقلنا ؟ فصار سفهاء القوم يتصدرون القضايا غالبا ؟! وما كان هذا ليحدث لولا هذه الحرية التي حبانا الله بها بأن سخّر لنا رجال أبطالاً صدقوا ما عاهدوا عليه من أن تحرير الوطن ونيل الكرامة دونه الأنفس، فرحم الله ميتهم وأدخلهم جنّاته وجعلهم من الشهداء وأشفى جرحانا ومرضانا وأنزل عليهم البرد والسلامة، هؤلآء الأبطال الذين جادوا بأنفسهم لنستطيع نحن الكتابة والكلام والتظاهر والتعبير عن الرأي وقول ما نريد بل أحيانا في خُطًى غير محسوبة نفعل ما لا يجب فعله ؟ ولنسأل أنفسنا أكان هذا سيحدث قبل ثورة التحرير والتكبير ورفع الظلم المجيدة ؟ أكان لنا أدنى الحقوق في التعبير عمّا نريد في عهد الطاغية ؟ أكان هؤلآء الذين يزعزعون أمن الوطن ومن المتكلمين المشككين الآن، فاعليه من قبل ؟ ما كان لأحد الجرأة على كل ذلك، أليس كذلك؟ فلماذا اليوم؟؟؟ ألا فاتقوا الله في الوطن.
إجتمع أغلب الليبيين على هدف واحد وهو تحرير الوطن والإطاحة بالطاغية وإزالة حكمه، وبعد النصر المبين واتمام نعمة الله علينا بتحقيق الأهداف عاد أغلب الأبطال الأشراف إلى قواعدهم غانمين، ونكص البعض وركن وقدّم مصالحه الشخصية على الوطن ليبدأ دفاعا مستميتًا مقيتًا متخلفاً لذلك الولآء المشبوه للنفس ولغيرها ؟ فاستغل من لا ولاء لهم الأمر ليبدؤا إفساد ما حققه الأبطال ففي غياب الرجال تطفح الاوحال؟ ليجد المستفيدين والمستنفذين في نظام الطاغي بغيتهم في هذا الفراغ لينشطوا داخل الوطن وخارجه ويوجهون سهامهم المسمومة إلى جسد الوطن ليزعزعوا أمنه فهم لا يعرفون للأمن طعما لأنّهم لم يشعروا به ولم يعرفوه يوما قط، فمن جهل شيئا عاداه؟ لقد علّمهم كبيرهم أن لا يتعلموا وأن لا يعرفوا شيئًا وأن يحيوا بدون كرامة، وإن بدا للناس غير ذلك؟ فلا يغرنّك تقلبهم في البلاد !
ألا لعنة الله على التعصب، بعد الإنتصار والتحرير ركن بعض الناس الى دعم قبائلهم ومدنهم وتحرك فيهم إنتماء جاهلي بعد أن أعطت دماء الشهداء مساحة شاسعة لحرية التعبير لم يحلم بها هؤلآء ولم يستوعبوها بعد؟ فقدّموا قبيلتهم ومدينتهم ومصالحهم على ليبيا، وهذا لعمري خطأٌ لا يقوم به من يريد بناء وطن قوي في جميع جوانبه؟ هذا الأمر وغيره شجّع بعض مسئولي النظام السابق أمثال أحمد قذاف الدم وغيره من المرتزقة الذين ارتزقوا من أقوات الليبيين {وما الحفلات الحاسية التي كان يحييها قذاف الدم هذا في أعياد ميلاد فنّانات وغانيات مصر من أموال الليبيين عن المبصرين بخافية}، استغلال هذا الركون والتعصب القبلي من أجل تفتيت ليبيا واشعال نار الفتن بين الناس تحت مسميات كثيرة، فهم كالشياطين لا يأتونك مباشرة ولكن يحاولون تحقيق أهدافهم بتمزيق ليبيا وضرب وحدة سكانها واضعافها خطوة خطوة حتى يسوّقوا لفكرة المقارنة بين ليبيا الأمس، ليبيا الذلّة والمهانة، ليبيا التخلف والجهل، ليبيا المرض والفقر وبين ليبيا الحرية والعزّة والكرامة، فشتّان بين الثرى والثريا. فلنعي جميعا أن القبيلة بناء إجتماعي ورابط أسري قوي، يجب المحافظة عليه وتنقيته من الشوائب الإجتماعية الضارة اللاصقة به، وفي ذات الوقت يجب إبعاد القبيلة وعدم إعطاء دور لها في قيادة البلد وفي سياستها، لأن الدولة ليست لقبيلة بعينها ولكنها لجميع الليبيين بقبائلهم وبدونها فلا فرق في ليبيا بين من ينتمي إلى قبيلة كثيرة العدد وبين من لا ينتمي إلى قبيلة أصلا، فكلاهما ليبي كامل الحقوق على قدم مساواة. ولنا في حكم الطاغية لا رحمه الله مثلٌ سيّءٌ في التلاعب بالقبائل، حين كان يلعب بشيوخ القبائل خاصة الكبيرة منها لعباً، فتارة يقرّب قبيلة ويبعد أخرى، وتارة يبعد القريبة ويدني البعيدة، وهذا كان حال من يتّبع تلك القبائل، سياسيا ؟ أفلا تعقلون؟
كلّكم مسؤول. إن خيرات ليبيا التي حبانا الله بها ملْكٌ لكل الليبيين ولا يحق لأحد أن يتصرف فيها إلا بالطرق القانونية، وإلا ما الفرق بين هذا النظام وذاك المنهار الفاسد؟ الذي كان يتصرف في مقدراتنا كما وإن كانت ملكه الخاص يلقي بها يمينا وشمالا لم يراعي فينا ولا فيها إلاًّ ولاذمّة؟ لم يقم الثوار من أجل الإبتزاز أو تحقيق مآرب شخصية كما نرى من البعض الآن ؟! الذين يطالبون بدفع ما قدموا من أجل الوطن ؟؟؟!!! فالليبيون قاموا من أجل التحرير واستعادة الكرامة ورفع الظلم، وهل يقبض الأبطال ثمن جهادهم ؟ إن إضاعة الأموال هدراً من الحكومة والمجلس دون قيد أو شرط تحت أي مسمّى {للثوار ولغيرهم....} وجد فيها الطامعين والمرتشين والمرضى طريقا لتحقيق أطماعهم وسرقة أموال الليبيين؟ فالحكومة والمجلس التنفيدي والإنتقالي هم المسؤولون قانونيا عمّا جرى ويجري من إضاعة للمال في غير وجه حق أو من سرقة تمّت في عهدهم، ولا أحد فوق القانون، لقد انتهى عهد النهب والسلب بدون رجعة بعون الله وتوفيقه، ألا فاعدلوا ؟
رموز الطغيان. لقد تربى المقربين من الطاغية على الفساد والظلم والطغيان والغش والسرقة والكذب والخداع، فكل إناء بما فيه ينضح، وذاك هو إناء الطاغية وعهده لا ينضح إلا بكل وضيع سيء مقيت، فألف هؤلآء هذه القيم الفاسدة وأصبحت جزءًا منهم فلا يستطيع أحدهم أن يعيش في بيئة إجتماعية تحمل قيم إنسانية نبيلة بين ظهرانيها، لأن مثل هذه القيم السمحة كانت تميّز الليبيين ولا فخر عن غيرهم فأتى عليها الطاغية وشركاؤه فهدموها لأنهم لا يستطيعون الحياة إلا في المستنقعات العفنة، ألا تبّاً لهم. ولأنهم كذلك لازالوا يتصورون بعودتهم إلى النخاسة أما كفاهم عمل الحراسة ؟؟؟ إن قيام عموم الليبيين على تلك القيم الفاسدة لهو تغيير جدري اجتُثت به القيم البالية من جذورها فما لها من قرار، ليعود شعباً طيب الأعراق كما كان بعون الله، وليبني نظام حكم باختياره وبمشاركة الجميع، لا اقصاء فيه، وأولئك القوم لا يزالوا يعتقدون ويعملون لجر ليبيا إلى الوراء إلى حكم فردي مستبد مطلق، فكفاكم كذبا لقد بان عواركم ليس بين ليلة وضُحاها أو سنة وما وراها ؟ بل من خلال ما يزيد على أربعين سنة عجاف، ألا فاستحوا ؟ أفمن العدل والحق في شيء أن لا يحاسب هؤلآء على ما ارتكبوه في حقنا وحق البلاد من تلاعب وتخريب ممنهج ؟ على الحكومة والمجلس الوطني أن يسعى جاهدا وبكل الوسائل المشروعة ليتسلم هؤلآء الذين أجرموا في حق ليبيا والليبيين وساهموا بشكل كبير في تخلفها ودمارها وضرب قيمها ولم يألوا لتحقيق ذلك سبيلا، ليحاكموا عدلاً عمّا اقترفوه في حقنا وحق بلدنا، فهذا الأمر لا نقاش ولا تفاوض فيه؟
أمّا ليبيا اليوم فهي تسع الجميع بمن فيهم من أيّد الطاغية بمسيرة سار فيها مختارا أو مكرها؟ فبناء الأوطان يتجاوز الوقوف عند الأكفان.
نوري الرزيقي