رسالة مفتوحة الى السيد مصطفى عبدالجليل

محمد بن غلبـون  بتاريخ   2012-07-07

www.libyanconstitutionalunion.org

بسم الله الرحمن الرحيم

سيادة المستشار مصطفى عبد الجليل الموقر (1)
تحية طيبة وبعد

عندما واجهتك مذيعة التلفزيون البريطاني "بي بي سي/العربي" بتاريخ 12 مايو 2011 أثناء زيارتك لبريطانيا بمخاوفي المعلنة قبل يوم واحد من تلك المقابلة في إحدى جرائد لندن العربية من احتمالات نشوب حروب أهلية في ليبيا، ونصائحي بأخذ الاحتياطات اللازمة لمنعها، أبديت نفوراً من الرغبة في الخوض في الموضوع، وأظهرت الامتعاض، واعتبرت الموضوع برمّته رأي شخصي لا يستحق النقاش أو التعليق عليه.
وقد منعني ردّ فعلك ذلك من تكرار النصح وامتنعت عن الخوض في الشأن الوطني الذي كنت متفرغاً له علناً وبصراحة ووضوح منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك لما عرفته من عدم جدوى توجيه النصح إليك، وأنك تشكّ في من يأتيك بجديد لم يكن في حسبانك ولا بلغ إليه فهمك وإدراكك. وامتنعت كذلك حتى لا يكون لي أي دور من قريب أو بعيد في الكارثة التي رأيت بوضوح ومنذ البداية أن قصور المجلس الانتقالي يسعى بالوطن نحوها.

وهنا سيدي الفاضل أؤكد لك بأنني لم ولن أحاول التذاكي عليك ولا مشاركتك الحكم بأي شكل من الأشكال، أو في أية جزئية كانت. ولو صفّيت النيّة وتجاوزت عن خشونة لهجتي التي فرضها احترامي لك، فجنّبتك ونفسي زخرف القول الذي يضيع المعنى والذي يخاطب به أصحاب الأمراض النفسية المتفانين في حب ذواتهم فتنهار الحقيقة ومن ورائها الوطن، وعند ذلك سترى أن خطابي هذا نابع من حب الوطن والحرص على مصلحته، والغيرة على دماء شعبه، وتدعمه خبرة عقود عديدة في هذا الخصوص.

إن المصادمات المسلحة الدامية في عدّة بقاع من ليبيا، والحشود الغاضبة في الوادي الأحمر تجعل استماعك الآن للحديث عن الحرب الأهلية أحسن من استماعك له في شهر مايو 2011. وهو الأمر الذي يشجعني على القول إن طول زمن الفراغ السياسي الذي نجم عن سقوط الطاغية نكأ جراحاً قديمة، كما شجع الطامعين في مكاسب غير مشروعة، وأغرى موتورين بأخذ ثأرهم بأيديهم، وأعاد إلى أرض الحاضر ذكرى "خط الغرب وخط الشرق". ولن تعيد الأمور إلى نصابها الانتخابات الموعودة، ولا تعديل عدد المقاعد ولا لجنة صياغة الدستور الجديد، بل سيطيل ذلك من زمن الفراغ فيتسع الخرق على الراتق، وتكون أنت المسؤول الأوحد، فقد أعلن أعضاء مجلسك الانتقالي أكثر من مرة أنك لا تشركهم في قراراتك.


يا شيخ مصطفى؛ إن من وسوسوا لك بأن تبنيّ دستور الاستقلال يعدّ تكريساً للنظام الملكي قد سبق لهم وأن عارضوا فكرتنا الدستورية بشدّة في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي. وهم يعتقدون أن الاستفادة منها الآن سيدمغهم بالخطأ وسوء الفهم والقصور.

أما من تشير إليهم أحياناً في خطابك بأنهم "حلفائنا" وتعتقد في اخلاصهم وصدقهم فإنهم سبق لهم وأن عارضوا هذه الفكرة وعملوا جاهدين على وأدها، لأنهم يعرفون جيدا أنها ستنقذ الوطن من براثنهم وستكبح جشع الطامعين، وتملأ الفراغ بسرعة كافية لوضع الثورة في مسار صحيح يجنب الوطن الكوارث المحدقة ويحافظ على دماء الشعب التي يريدون لها أن تسفك انتقاماً لما حلّ بيهود ليبيا سنة 1967. وقد سبق لي وأن وثقت لذلك تحت عنوان "أوراق مرحلة" [2] تجده في موقع أرشيف الاتحاد الدستوري الليبي. كما ستجد تتمة الموضوع على نفس الموقع تحت عنوان " المنظمات الصهيونية تسعى لحكم ليبيا بعد سقوط القذافي" [3].
لقد سبق للمجلس الانتقالي أن تجاوز صلاحياته وأقدم على سابقة تبدو في ظاهرالأمر وكأنها ارتجالية عندما فرضوا ما يسمى بـ "الاعلان الدستوري " في 3 أغسطس 2011 ، وأنا أعرف أنها من نصائح "حلفائك" كأول خطوة لابتعادك بالشعب الليبي عن دستوره الموروث باهظ الثمن، تتبعها خطوة وضع دستور جديد بمساعدة أولئك الذين كانوا يكتبون دستوراً جديداً لسيف القذافي، لقطع الطريق على الليبيين باتجاه مكسبهم الحضاري المتجذّر ومركبتهم الأمنة إلى المستقبل (دستور 51).
وهنا أناشدك بحب الوطن أن تكرر هذه السابقة وتتبنّى دستور الاستقلال (دستور 1951)، مع التحفظ على بنوده المتعلقة بشكل الدولة ونظام الحكم واحالتها للإستفتاء في المستقبل المستقر، إن شاء الله، لملء الفراغ في المرحلة الانتقالية التي طالت، وأن تفعّل القوانين القديمة المنبثقة من ذلك الدستور، وأن تكوّن لجاناً تستعجل تطويرها إلى أن يعاد النظر فيها برويّة في وقت الأمن والاستقرار. ولا تخش من "حلفائك" ، فلديك أبطال ينازعون الأسُدُ على أشلائها.

إن ثوار فبراير انتزعوا إكبار وإعجاب شعوب العالم الحرّ كافّة، ولن يستطيع سياسيوهم أن يجهروا لك بالعداء أو المخالفة وهذا واقع إن أدركته وأحسنت استخدامه فإنك ستجلس على طاولة أية مفاوضات لتملي شروطك الليبية، لا أن تستمع إلى "النصح" و "التوجيه".

توجه بسرعة بهؤلاء الأسود إلى الأمام ، إلى مستقبل باهر عبر الدستور الليبي (1951) ولا تتركهم في فراغ سينتهي بهم إلى توجيه فوّهات بنادقهم إلى صدور بعضهم البعض.

ومن أجل ليبيا - ليس إلاّ- أدعو أن تكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد بن غلبـون
رئيس الاتحاد الدستوري الليبي
chairman@libyanconstitutionalunion.org

10 شعبان 1433 الموافق 1 يوليو 2012

-----------------------
1) نشرت في صحيفة "برنيق نيوز" ، عدد رقم 67، الصادر يوم الخميس 5 يوليو 2012
2) http://www.libyanconstitutionalunion.org/docuartcls.htm#3
3) http://www.libyanconstitutionalunion.org/hyatrtcl.htm