عفواً يا سادة .. إنها الديمقراطية

نضال الشركسي   بتاريخ   2012-07-14
عفواً يا سادة .. إنها الديمقراطية

لم تكد تنتهي عملية اقتراع أعضاء المؤتمر الوطني العام، حتى بدأت التكهنات والتوقعات بالنتائج الأولية بالظهور، كما هي العادة عقب كل عملية انتخاب. فالشعب الليبي الذي أبهر العالم بثورته، ها هو اليوم يبهره من جديد بسلاسة انتخابه لمن سيمثل سلطته التشريعية، إذا أخذنا بعين الاعتبار وضع الدولة الخاص وهشاشة الحالة الأمنية فيها، وانتشار السلاح في كل مكان مع ووجود تلك الأصوات المناوئة للانتخابات والمؤتمر الوطني. مع كل ذلك، يثبت الليبيون أنهم فوق كل تحدي، وأنهم قادرون على صنع مستقبلهم في أشد الظروف حلكة ومهما كانت المعوقات.
رأينا هذا كله بوضوح عندما خرج الجميع من صمته والتفوا حول خيار التصويت دونما تردد. ولاحظنا ذلك بجلاء عندما طرد الكل عن أنفسهم تلك السلبية الكريهة التي طفحت طيلة الأشهر الماضية لنرى كيف يؤمن شباب كل منطقه حيهم منعاً لوصول أيادي المخربين إليه دونما اتكال على أحد. كما شاهد الجميع كيف تحول الليبيون في كل المناطق والمدن إلى خلية نحل، وليس لهم من هم سوى تأمين هذه الانتخابات بشتى السبل. فبهذا فقط نجحت هذه الانتخابات، وبمثل هذه الايجابية سينجح أي مشروع قادم بإذن الله تعالى. وكل ما أتمناه أن يعي الليبيون هذا الدرس جيداً. فقد توحد الليبيون في ساعات قليلة فقط عندما وحدوا هدفهم المتمثل في إنجاح هذه الانتخابات بأي شكل كان، وتعففوا عن السفاسف، وعن كل صوت يحيدهم عن طريق تلك الغاية.
ذهب الليبيون بقضهم وقضيضهم لمراكز الاقتراع لينتخب كل منهم من يراه الأصلح لهذا البلد. ولكننا بالمقابل نرى من يبدى امتعاضه لنتائج هذه الانتخابات وخاصة بعد التقدم الملحوظ لتحالف القوى الوطنية برئاسة د. محمود جبريل في عدد من الدوائر الانتخابية. وهؤلاء لم يجدوا حرجاً ليس في الهجوم على شخص الرجل، بل نالوا ممن صوت لهذا التحالف أيضاً بكلمات تفتقر بالتأكيد لروح الديمقراطية. كما أن البعض منهم تساءل عبر صفحات الانترنت كيف لهؤلاء أن يصوتوا لهذا التحالف ولم يصوتوا لذلك الحزب فقط لأن رئيسه ابن هذه المدينة. بينما تسوق قناة إعلامية وبعض المواقع الأمر بأنه فوز لليبراليين (وفق ادعائهم) بطريقة دس العسل في الدسم، إذ كيف ينأى الناخب الليبي بنفسه عن التصويت للإسلاميين (حسب وصفهم) ليدلي بصوته لهذا التحالف الليبرالي (حسب قولهم)، في دغدغة رخيصة لمشاعر عامة الشعب، وهو موضوع قد يطول الحديث فيه.
لست هنا في باب الدفاع عن د. جبريل وتحالفه أو غيره، بقدر ما هو نقد لهؤلاء أصحاب الفكر الضيق الذين يريدون للآخرين النظر فقط من خلال رؤاهم. كما هو تساؤل عما وراء هذه المحاولات التي قد تزرع البلبلة في هذا الظرف العصيب ولا يفصلنا عن القول الفصل سوى ساعات. يخطئ من يعتقد بوردية لون الديمقراطية وأنها الخلاص لكل مشاكل البشر، ولكنها توفر لنا مساحة مشتركة مع الآخر متمثلة في الرضا بحكم صندوق الاقتراع وهو ما يفترض به أن يرضي كافة الأطراف. كما أنها هي الخيار التي قاتل من أجله أبناء هذا الوطن من أجل تحقيقه، فمن العبث أن يأتي من يحاول الالتفاف أو الخروج عليه، ما لم تثبت تجاوزات تخل بسير العملية الديمقراطية طبعاً ومن خلال قنوات قانونية معروفة . ولذا فإن من أبسط القواعد هي القبول بالنتائج ويهنئ الخاسر الفائز تغليباً لمصلحة الدولة العليا للنهوض بها بدلاً من الخوض في مهاترات ما أنزل الله بها من سلطان.
عفواً يا سادة .. إنها الديمقراطية التي قد نصل عن طريقها بمن ننتخبه لمثلنا في سلطة الدولة، وفي أحايين أخرى قد نخسر ليفوز آخر انتخبه غيرنا. من وجهة نظري أننا لا ولن نخسر أبداً طالما الرابح الدائم هو الوطن.

والله الموفق
نضال الشركسي