تحية عرفان

بشير السني المنتصر  بتاريخ   2012-08-02
يستعد رئيس وأعضاء المجلس الأنتقالي والحكومة المؤقتة إلى ترك الساحة لغيرهم المنتخبين في المؤتمر الوطني في إجتماعه الأفتتاحي . ولا شك أن هذا بداية للسلوك الديمقراطي السليم الذي نريد ساستنا إتباعه . فالمهمة السياسية مؤقتة وفي النظام الديمقراطي يتم تبادل السلطة ويتولي الحكم من تختاره الأغلبية المنتخبة دون نقاش ويجب تعميم التعريف بالديمقراطية لعامة الشعب بأنها رغم تعريفها بأنها حكم الشعب بالشعب وللشعب إلا أنه في الواقع هي حكم الأغلبية مع الأعتراف بحق الأقلية في إبداء رأيها المعارض ونشره للشعب . كما يجب أن يعرف الجميع أن الحرية ليس معناها الفوضىأو إعمل ما تراه دون مراعاة حق الأخرين لأن النظام الديمقراطي يقوم على تطبيق القانون على الجميع وفرض النظام العام وإحتكار الحكومة للسلاح . ففي بريطانيا مثلا إذا فاز الحزب المعارض في الأنتخابات يدخل زعيم الحزب الفائز مقر رئاسة الوزارة الرسمي من الباب الرئيسي ويخرج رئيس الوزراء المهزوم من الباب الخلفي ليلة إعلان نتيجة الأنتخاب وهي عادة ليلة يوم الأنتخاب نفسه ليقيم في فندق إذا لم يكن له بيت خاص قي العاصمة . وقد يترك رئيس الحكومة المنتهية رئاسته لحزبه والعمل في السياسة ويتفرغ لحياته الخاصة وعائلته ، مع ضمان معاش تقاعدي له وحراسة خاصة على حساب الدولة . أما أعضاء الحكومة المنتهية فيبقون أعضاء معارضين في مجلس النواب إذا نجحوا في الأنتخابات . . ولا تتم عملية تسليم بين الحكومة السابقة والحكومة الجديدة فالملفات العامة باقية ومحفوظة في مكاتب الحكومة من طرف وكلاء الوزارات الأداريين الدائمين والمسئولين عن تسيير الأمور وهم الذين يشرحون للوزراء الجدد المهام التي أوكلت إليهم ولا زالوا يمارسونها . وللوزراء الجدد بعد ذلك أتخاذ القرارات فيها وإقرار سياسة الحكومة الجديد ة بالرجوع إلى البرلمان الذين يتمتعون فيه بثقة أغلبية الأعضاء . وفي بريطانيا لا يوجد دستور مكتوب وتستطيع الحكومة تعديل الدستور العرفي المعمول به باللجوء إلى البرلمان أو إلى الشعب في إستفتاء عام دون أخذ رأي أحزاب المعارضة والهيئات التمتيلية لمناطق البلاد. وفي الحقيقة أنا لا أفهم القانونيين ورجال السياسة عندنا في البلاد العربية الذين يقولون بقدسية الدستور ليكون نبراسا دائما للأجيال القادمة . أو الذين يصرون على وضعه من طرف هيئة منتخبة خارج المجلس المنتخب , ولا يجوز تعديله من طرف الحكومة وموافقة أغلبية البرلمان الممثل لشعب .
ولا تعتبر الحكومة الجديدة مسئولة عن تنفيذ قرارات وسياسات الحكومة السابقة أو التحقيق في أعمالها أومعاقبتها عن أخطاء ومخالفات أرتكبتها فهذا من واجبات النائب العام الذي يستطيع التحقيق في أية مخالفات للقانون الساري المفعول مع أي مسئول حكومي سابق أو حالي كلما توفرت له معلومات عنها .
بعد هذه المقدمة أقول إننا جميعا رحبنا بأعلان انشاء المجلس الأنتقالي في أول قيام ثورة ولم نعرف حتى أسماء أعضائه كما أيدنا رئيسه السيد مصطفى عبد الجليل وبايعناه ضمنا على قيادة البلاد . ووافقنا ضمنا على الوثيقة الدستورية المؤقتة والقرارات التي أتخذتها المجلس الأنتقالي خلال الفترة الأنتقالية ، وذلك حتى يتم إنتخاب مؤتمر وطني لتولي سلطات التشريع والسيادة وحكومة يختارها المؤتمر المنتخب تتولي سلطات التنفيد ومسئولة أمامه . ومهما قيل في الشيخ مصطفى عبد الجليل وأعضاء المجلس الأنتقالي والمجلس التنفيذي والحكومة المؤقتة من إنتقادات فأننا مدينون لهم بالشكر والعرفان بالدور الذي قاموا به لتسيير أمور البلاد في فترة قيام الثورة العصيبة وبعد التحرير . هذا الدور سيسجل لهم بماء الذهب في تاريخ ليبيا المعاصر ومن واجب مراعاة إحترامهم بعد ترك مناصبهم وتخصيص مرتبات تقاعد وتوفير الحماية لهم من العناصر الجاحدة لما قاموا به من جهود وأعمال . هذا لا يمنع المؤتمر الوطني العام المنتخب من تقييم أعمالهم وأحالة من تتبت إنه خان الأمانة أو أرتكب مخالفات للقانون أوإستغلال للمال العام ألى النائب العام ليتولى التحقيق فيها على أن يعطوا حصانة فيما إتخذوه من قرارات سياسية تقتضيها الظروف والمصلحة العامة . وبخروجهم من مناصب المسئولية يمكنهم الدفاع عن أنفسهم في وسائل الأعلام فيما نسب لهم من مخالفات وأخطاء .
وقد أعجبت بتصريحات الشيخ مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الأنتفالي في أولى جلسات الموسم الثقافي الرمضاني الذي أقامته كلية الدراسات الأسلامية في البيضاء التي تميزت بالصراحة وتوضيح بعض ما أتخذه المجلس الأنتقالي من قرارات . لقد إعترف السيد عبد الجليل بالوضع الأمني المتردي وأعمال النهب وإستباحة المال العام ، وهو على تقة بتغير الأمور ألى الأحسن . ورغم أن الأسباب كثيرة لهذا التردي إلا أنه كان من الأجدر للمستشار عبد الجليل أن يبين لنا الصعوبات والجهات التي عرقلة نشر الأمن وإستتاب النظام خاصة انه الأن حر من الضغوط التي كان يواجهها . كما أعجبت بافتناع السيد المستشار بأهمية الأحزاب بعد الأنتخابات رغم أنه لم يكن يؤمن بها . وضرب مثلا حيا في ترابط الشعب الليبي ووحدته عن مواطنة من مدينة المرج وقبائلها فازت بمقعد في المؤتمر الوطني نيابة عن مدينة مصراتة , وفوز سيدة تارقية بمقعد في مدينة البيضاء ورأى ان ممارسة العمل السياسي والحزبي هو الوسيلة للتخلص من القبلية والجهوية وما لاحظه السيد المستشار قليل من كثير فقد فاز في طرابلس مواطنون من الجبل ومن باقي المدن الليبية كذلك الحال في بنغازي والمدن الأخرى دون حساسية لأن موطن الناخب الليبي هو مكان إقامته أو المكان الذي يختاره في جميع أرجاء ليبيا وليس إنتمائه إلى قبيلته أو مدينته . وهذا درس عملي لأنصار الفدرالية الذين يريدون إرساء الجهوية والقبلية .
كما أوضح الشيخ مصطفي عبد الجليل موقفه بصراحة من تصريحات مفتي ليبيا وقال إن البلاد كانت محتاجة لمفتي وتم التوافق على الشيخ الصادق وتم تكليفه بهذه المهمة . وكان على المفتي أن يفتي في أمور الدين فقط . وقد لفتنا إنتباهه لأكثر من مرة عن تصريحاته السياسية ولكنه يعتقد أن المفتي بعد النقد الذي تعرض فيه لأحد الأطراف السياسية فقد قرر ألا يعود ألى مثل ذلك مجددا . وهذا موقف سليم لأن تصريحات المفتي السياسية وتلك الداعية إلى فرض الشريعة الأسلامية دون حاجة ألى دستور وقانون قد أثارت إنتقادا وإستنكارا من غالبية المواطنين رغم إحترام الجميع لمواقفه الوطنية .
وتعرض الشيخ مصطفى عبد الجليل ألى الظروف التي أدت الى إصدار قرار التعديل الدستوري وتأليف لجنة الستين بالتساوي لأعداد الدستور. وعذره أنه بعد أن طالب المحتجون على توزيع المقاعد الأنتخابية بتأجيل الأنتخابات راى المجلس إستحالة الأستجابة لهذا الطلب مما جعل المجلس الأنتقالي يصدر هذا التعديل . لم يكن من الهين إصدار مثل هذا التعديل الدستوري نظرا لأعتراض عدد من أعضاء المجلس الأنتقالي مما سبب جدلا ونقاشا ولهذا ناشد أعضاء المجلس بأن يقوموأ بتغليب المصلحة الوطنية وهو ما حدث فعلا . وهذا يدل على أن القرار كان تكتيكيا ولم يقم على أسس سليمة ويؤيد هذا تصريح احد اعضاء المجلس الأنتقاليفي الأسبوع الماي بأن قرار التعديل بانشاء لجنة الستين لم يكن قرارا ملزما بل كان توصية من المجلس الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام الذي له كل الصلاحيات للأخذ بها أو رفضها . وهذا ترك الباب مفتوحا للمؤتمر العام الذي يمثل ألشعب بأ ن يتولى المؤتمر الوطني نفسه تأليف لجنة إعداد الدستور من عناصر وفئات من كل اجزاء البلاد وأخصائيين في المجالات المختلفة .
كما إعترف الشيخ مصطفي غبد الجليل بأن بين رجال القضاء جماعة من أنصار نظام القذافي وقد تجاوز عنهم في البداية الثورة لكن يبدوا أنهم لم يتغيروا ولم يأخذوا في الحسبان تغير ظروف البلاد وهو يؤمن بحاجة القضاءألى التطهبر. وهذا إقتراح سليم أمام المؤتمر الوطني والحكومة الجديدة لأتخاذ الخطوات الازمة لتطهير القضاء والأسراع باتمام عملية تنظيمه وشروعه في العمل .
.كما تعرض الشيخ مصطقى عبد الجليل ألى نقطة هامة وهي فشل المجلس الأنتقالي في ضم الثوار ألى قوات الجيش والأمن وقال رغم شجاعة الثوار الوطنية إلا هذا غير كاف لبناء قوات أمن أو جيش قوي الذي يحتاج الى الأحتراف والتدريب الجيد .وطالب بأعادة العناصر التي لديها الخبرة والجيش الذين تتوفر فيهم الوطنية والنزاهة ، وهو كلام سليم وعلى الثوار العودة ألى وظائفهم المدنية ودراستهم وترك خدمة الجيش وقوات الأمن لأهل الخبرة . كما تتيح لهم فرصة إجتماع المؤتمر الوطني لوضع أنفسهم وسلاحهم تحت تصرف المجلس الأنتقالي والحكومة المنتخبة الجديدة وتسليم سلاحهم للجهات المختصة في الجيش والشرطة التي من حقها إحتكار إمتلاك السلاح وحفظ الأمن وحدود البلاد .
والنقطة الهامة في تصريحاته الشيخ عبد الجليل توضيح حقيقية تناولنها الاقلام ولاكتها الألسن بالأنتقاد والأستنكار وهي دور قطر في ليبيا وتأييدها للتيارات الأسلامية وأفرادا معروفين بأنتمائهم الأيدولوجي بهدف أن يتم بناء منظومة عربية تعتمد الشريعة الأسلامية كنظام للحكم في العالم العربي ، ودفع مبالغ مالية لكل من زار قطر وصرفها حوالي 2 بليون دولار على الثورة الليبية . وهذا التصريح يؤيد ويبرر المخاوف التي أبداها البعض في تصرفات قطر وتدخلها في الشأن الداخلي للبلاد . والشعب الليبي يعرف أن نظام دول الخليج في الحكم هو نظام رجعي وليس ديني صحيحوهو مرتبط بالأستعمار ومسير من أمريكا وغير قابل للتطبيق في دول الربيع العربي بأي حال من الأحوال .
وقد دافع الشيخ مصطفي عبد الجليل على قرار تكليف الصلابي بالمفاوضة مع أعوان النظام السابق في مصر وعلل الأنتقادات التي وجهت لمهمته لأسباب أيدولوجية وهذا غير صحيح . فمعارضة الشعب الليبي للتفاوض مع أعوان القذاقي في مصر مبعثها رغبة الشعب الليبي القوية في محاكمة هذه الزمرة الفاسدة من أعوان القذافي وتقديمها للقضاء لأنزال أقصى العقوبة وإسترجاع المال العام الذي نهبته بغير وجه حق . والشعب الليبي يرى ىأن تردد مصر في إعادة هؤلاء إلى ليبيا وتجميد أموالهم موقف معاد للشعب الليبي وثورته ، كما أن علاقات ليبيا المستقبلية ستتوقف على مدى تجاوب مصر وتسليمها لهذه الزمرة دون الألتجاء ألى المماطلة بحجة أسباب قانونية لا حاجة لأثارتها بين دولتين شقيقتين أمنهما واحد ومرتبط فالجوانب القانونية سينظر فيها القضاء الليبي فقط .
كما ذكر في نهاية تصريحاته بأن المجلس الأنتفالي سيعتمد هيئة لرد المظالم والمصالحة تتألف من قضاة عرف عنهم حسن السيرة والسلوك وهو إجراء سليم لكننا نعتقد أن دور الهيئة يجب أن يشمل تقديم كل من أرتكب جريمة في حق الشعب خلال عمله في النظام السابق أو إشتراكه في قمع ثورة 17 فبراير ألى النائب العام للتحقيق معه وتقديمه الى المحاكمة .
وأوضح الشيخ عبد الجليل أن المجلس سيصدر خلال اليومين القادمين قانون الحكم المحلي الذي سيعتمد على تقسيم الدولة ألى محافظات وبلديات ومحلات وكلها ستعتمد على نظام الأدارة المنتخبة . وهذ قرار هام نأمل أن يلبي طلبات المتخوفين من التهميش فقيام هذه الوحدات الأدارية بالأنتخاب سيحول النظام في البلاد الى نظام لا مركزي الذي ينادي به أنصار الفدرالية ، وهو خطوة موفقة لقتل الدعوة الفدرالية في مهدها .
إن هذه التصريحات للسيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الأنتقالي في هذه الفترة لها أهمية بالغة ونأمل أن يستمر في شرح ما خفى عن الشعب في قرارات المجلس الأنتقالي . كما نأمل أن يقوم اعضاء المجلس الأنتقالي بشرح مواقفهم في المجلس أثناء نقاشة لشئون البلاد فمثل هذه المعلومات ستوضح للشعب مبررات يعض قرارات المجلس التي اثارت المخاوف والأقاويل . كما أن هذه المعلومات ستكون زادا لأعضاء المؤتمر الوطني الجدد في مناقشاتهم لهذه الشئون في المجلس وتعديل ما أتخذ من قرارات غير سليمة بأعتراف اعضاء المجلس التي أصدرها لترضية بعض الفئات ومتطلبات الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد في مرحلة ما بعد التحرير. بشير السني المنتصر