ظلموكِ يا فيدرالية !

عبدالنبى أبوسيف ياسين  بتاريخ   2012-05-27
ظلموكِ يا فيدرالية !
==========
قبل أن أبدأ.. لابد لى من الإعتراف بأننى ممن يفضلون النظام الفيدرالى، ولربما كنت من أوائل من رأى بأنه النظام السياسى / الإدارى الأمثل الذى يلائم وطننا ليبيا، بتركيبته الجغرافية الإجتماعية.. ولازلت اعتقد جازماً، بأن الأيام ستثبت أن لا مناص لنا، من أجل تكوين دولة حديثة رشيدة عادلة، إلاّ بإنتهاج النظام الفيدرالى؛ عاجلاً أم آجلا.
أعود لمن فى إعتقادى قد ظلموا الفيدرالية، بعد قيام ثورة فبراير العظيمة.. لأوكد – وبدون تعميم - بأن الظلم طالها من طرفين متضادين، طرف يؤمن بها، وبعضهم فى الواقع، كانوا أوّل من أساؤا لها ولمبادئ الديمقراطية التى ننشد، وقيامهم بمبادرات إرتجالية، إمّا نتجت عن قلّة معرفة وتنظيم.. وإمّا لأمر فى نفس يعقوب ما، وسطهم!..
وفى المقابل، قرّر طرف ثانِ معاداتها، حتّى دون أن يفهمها، أو أن يحاور طلّابها بديمقراطية؟ وتعمّد على الفور، الإفتراء والإساءة لها ولهم، ربما لأمر فى نفسه، أو فى نفس -أو أجندة- يعقوب آخر، فى قطر آخر!
ولقد سألنى، يوماً ما، أحد أولئك العارفين تمام المعرفة بالفيدرالية: فسّر لي يا سيّد عبدالنبى إذاً، لماذا أصبح ثلاثة من رؤساء الوزارات فى العهد الملكى والفيدرالى بالذات! من مناهضى الفيدرالية الأوائل.. وهم السادة عثمان الصيد ومحي الدين فكيني ومصطفى بن حليم.. فالأوّل من ولاية فزّان، والثانى من ولاية طرابلس، والثالث من ولاية برقة، تحديداً؟
قلت له: جميعهم ناهضوها، بسب النفط وحده.. فقال: كيف؟
فأجبته: عندما اعتمدت الجمعية الوطنية – لجنة الستين – النظام الفيدرالى، عام 51.. توافقت بالإجماع على أن يكون الحق لكلّ ولاية 30 بالمائة من ريع صادراتها لأية ثروات طبيعية بها.. وباقى ألـ 70 فى المائة، تخصص لإعمار جميع الولايات بالتساوى.. فكانت ولاية طرابلس أبّان الإستقلال، تصدر الملح والحلفة وبعض المحاصيل الزراعية الأخرى.. وولاية فزان تصدر التمور، وبرقة تصدر المواشى وبعض الملح والحلفة.. وحسب تقارير إدريان بلت للأمم المتحدة، فإن دخول ولاية طرابلس، تعادل أضعاف الولايتين الأخريتين.. وقد قامت حكومة السيد بن حليم بتوقيع العقود الأولى لإستكشاف النفط فى ليبيا، غير أن إكتشاف حقوله الأولى، كان فى عهد حكومة السيد الصيد، ثم فى عهد حكومة السيّد فكينى، وجميع إكتشافات النفط، كانت فى ولاية برقة فقط! وبالتالى، فإنّ معارضة الأخيرين، إنما كانت بسبب استفادة ولاية برقة بمفردها من تلك "الكوتا"، وهو ما دعاهما للمطالبة، كلّ فى عهده، بظرورة وحدة البلاد!..أما بخصوص السيد بن حليم، فإن إكتشاف النفظ تزامن بعد تركه للحكومة وتصادف مع عمله الخاص، كمستشار لبعض شركات النفط فى البلاد، والتى كانت تشكى دون غيرها، من إزدواجية الحصول على موافقات من حكومة ولاية برقة، مع أذونات وموافقات أخرى تتطلبها الحكومة الإتحادية، وتسبب لها بعض المصاعب والتأخير، فى التراخيص وأذون العمل وغيرها.. مما دعا السيد بن حليم أن يكون من مناهضى النظام الفيدرالى هو أيضاً، بسبب عمله، ومصالحه كمستشار نفطى، فقط لا غير.
إذا، ما هي هذه الفيدرالية بإختصار؟
الفيدرالية هي نظام حكم ( سياسي إدارى ) مبني علي الديمقراطية التعددية المناطقية، حيث تتوزع فيها السلطة دستوريا، وفقا لنص (دستورى صريح) بين الحكومة المركزية للبلاد، وبين الأقاليم المكونة لها (سواءاً كانت ولايات أو أقاليم أو مقاطعات).
والفيدرالية هى نتاج توافق الشعب لوضع دستور، يجبر الحكومة المركزية علي التنازل عن بعض سلطاتها (الغير سيادية) لصالح سلطات الولايات والأقاليم.
كما ليس للفيدرالية قالباً أوحداً تنصهر فيه كافة الأمم إن اختارت النظام الفيدرالى؛ بل بتوافق برلمانات تلك الدول مع شعوبها، حيث تقنن فى دساتيرها نظامها الفيدرالى الخاص بها.. والذى يتلائم مع تكوينات شعبها وطبيعة جغرافيتها، سواءاً تكوّنت شعوبها من قومية واحدة، أو من عدّة قوميات، فمثلاً:اختارت عدة دول ذات قومية (واحدة) النظام الإتحادى (الفيدرالي) لتكوين دولة واحدة، مثلما أختارته أستراليا في عام 1901 ، وليبيا في عام 1951 ، والإمارات فى عام 1973.
كما اختارت النظام الفيدرالى، دول ذات قوميات مختلفة، لتوحيد أهدافها وطموحاتها، مثل بلجيكيا وسويسرا وماليزيا والهند على سبيل المثال.
كما أن هناك 16 دولة تحولت من دول (مركزية موحدة) وذات قومية واحدة، إلى النظام الفيدرالي، منها على سبيل المثال: ألمانيا والنمسا والبرازيل واسبانيا.
كما أن هناك العديد من الدول (الموحدة) التي تدرس (حاليّاً) التحول للفيدرالية، مثل بريطانيا وإيطاليا والدنمارك والسويد.
الفيدرالية و( فزّاعة) الثروات الطبيعية الوطنية (النفط/الغاز/المعادن/الماء)؟
والذى فى الواقع، هو هاجس أعداء الفيدرالية الحقيقي، وربما الوحيد!.. وما بكاء البعض منهم على اللُّحمة الوطنية، سوى بكائهم على تلك اللحمة –الهبرة- الدولارية! وعلي رأسها النفط والغاز ومشتقاتهما.. حيث يعتقد هؤلاء –خاطئين- بوجود معظم النفط الليبي في إقليم برقة؛ بينما هو موجود حاليا، ولله الحمد والمنّة، في جنوب سرت وفى فزان وفى الحمادة الحمراء وحوض غدامس وقبالة سواحل غرب ليبيا (الجرف القاري). كما يعتقدون أو يوهمون البسطاء منا، أن وجود النفط في مناطق معينة، يعني أن ريع تلك الموارد النفطية، هي حكر علي ذلك الإقليم وحده!
بالطبع، كل هذه أفكار خاطئة ومغلوطة، للأسباب التالية:
أن تقسيم الثروات هو أمر يُنصّ عليه في الدستور. أي أن الليبيون سيختارون بأنفسهم طريقة توزيع ثروتهم، سواء كان هذا التوزيع بالتساوي بين الولايات.. أو حسب الكثافة السكانية، على أن يكون لكل ولاية نسبة معينة "كوته" من الثروات التي تتواجد فيها، كما سبق لرجال دولة الإستقلال توافقهم عليها.
أن النفط والثروات المعدنية والمائية والبحرية، كما نصّ عليه دستور الإستقلال، هي ثروات قومية.أي أنها تخضع لسيادة الحكومة المركزية الموحدة وليس للولايات.. وبالتالى، العائدات تذهب مباشرة لخزانة الدولة الليبية وليس لخزائن الولايات، مثلها مثل الضرائب والجمارك.
الفيدرالية و(فزّاعة) تقسيم البلاد!
وهذه فزّاعة – وشمّاعة - أخرى يستغلها مناهضو الفيدرالية، إذ يتهمونها بأنها أداة تقسيم لما هو موحّد! وأنّ كل من يدعو لها هو قبلى/ جهوى/ إنفصالى! و و و... غيرها من التهم وحتّى الشتائم وأبشع التهم.. ويدّعون بأن الفيدرالية لا تتأتّى إلا لتوحيد ما كان مقسماً، لا لتقسيم ما هو فعلاً موحّد.. وأنّ الفيدرالية ما هي إلاّ الخطوة الأولى من مؤامرة التقسيم!
غير أن التاريخ يؤكد لنا أن هناك دولة فيدرالية واحدة (فقط لاغير) تعرضت للانفصال، ولكن لأسباب أخرى لا تتعلق إطلاقاً بالحكم الفيدرالي نفسه، وهي جمهورية السودان.. وكلنا نعلم أن ذلك الإنفصال جاء نتيجة حرب شعبية دموية دامت لعقود من الزمن، وأججتها أيادِ خارجية، منها على سبيل المثال لا الحصر، إسرائيل ونظام القذافى الفتّان، والعمل على إظهارها وكأنها كانت بسبب دكتاتورية الأغلبية (العربية المسلمة) علي الأقلية (الإفريقية المسيحية)!
وهناك من معارضى الفيدرالية من يستشهد بالنموذج العراقي، كفزّاعة أخرى يُرعب بها الليبيين.. والحقيقة أن النظام المتبع في العراق، هو نظام مركزى موحّد، وليس بالفيدرالي.. حيث أعطت قوات إحتلال العراق، إقليم كردستان (وحده) حكماً ذاتيا، بينما أخضعت باقي العراق لمركزية بغداد.. كما أن تلك التركيبة الطائفية والعرقية والدينية الشائكة فى العراق، لا وجود لها أساساً فى ليبيا، ولله الحمد.
ثم أن داء الانفصال ليس حكرا علي النظام الفيدرالي فقط.. فجمهورية يوغسلافيا المركزية الموحدة تحت قبضة تيتو الحديدية مثلاً، تحولت إلى عدة جمهوريات، إثر حرب أهلية شرسة فى أواخر الثمانينيات.. ونظام بريطانيا ليست بالنظام الفيدرالي، ومع ذلك هناك أصوات انفصالية في اسكتلندا وويلز وايرلندا الشمالية.. مما جعل بريطانيا تدرس بجدية إمكانية تطبيق النظام الفيدرالي فيها لحماية وحدتها الوطنية!
وبالتالى يا سادة.. أعيد وأكرّر.. أن بعض الحلّ بجوار مجلس النوّاب، يمكننا أن نجده بوجود مجلس الشيوخ، الممثّل بالتساوى بين الأقاليم الثلاث.. لخلق نوعِ من التوازن العادل بينها.. وأذكّركم، والذكرى هنا تنفع المؤمنين، بأنّ الدعاوى التى بدأت تتعالى شيئاً فشيئا.. والمطالبة بالإستقلالية، هى ليست بسبب عدم وجود نظاماً فيدرالي، بل بسبب العنصرية والتهميش، الذى لا يزال مستمراً من العاصمة، دون هوادة أو خجل؛ وهو الذى يسبب فى كلّ هذا الغليان.. وهو الذى سيتسبب يوماً ما، للدعوة الجادة الحادّة، لا للفيدرالية فحسب، وإنما للإنفصال التام....
وحينها يا سادة، سننـدم، عندما لا ينفع الندم.
عبدالنبى أبوسيف ياسين
بنغازى – 23 مايو 2012