"قِرّتْ الحســوم (ارمي عباتك وعــــــــــــوم)

ليلى أحمد الهوني  بتاريخ   2012-05-24
"قِرّتْ الحســوم
(ارمي عباتك وعــــــــــــوم)
بقلم/ ليلى أحمد الهوني

قبل أن أبدأ في سرد مقالتي هذه، أود أن أعطي القارئ الكريم نبذة سريعة ومختصرة عن معنى كلمة "قرت" كما وقعت في عنوان المقالة. وهي تنطق "قـِرّتْ" (بكسر القاف وشدّ الراء وسكون التاء)، وتعني بحالة "الرعشة" التي تصيب الجسم في بعض الأحيان كنتيجة تعرضه لنسمة برد، أما معنى كلمة "الحسوم" في اللغة العربية فيقال "الشؤوم"، أي الليالي الشؤوم وهي تلك الأيام السبع بلياليها الشديدة البرد، ويطلق عليهم أيضاً بالليالي السود، والتي عادة تكون بهم أيام "قرت الحسوم".
وبما أن المطلع على اللهجة الليبية وحسب ما يعرف عنها، يدرك جيداً بأن الكلمات التي تطلق على بعض الأشياء هي في الغالب تكون مخالفة تماما للأشياء نفسها، حيث يتم استخدام "الألطف" منها على وقع السامع لها فمثلاً، يطلق على سخان الشاي بالبراد، ويسمى الفحم الأسود بالبياض" و"الكانون" الفخاري ذو اللهيب المشتعل يسمى بالعافية، وكل هذه الامور معروفة بين الليبيون إلى الدرجة التي دفعت البعض، إلى إطلاق نكتة معروفة على الشعب الليبي أيام حكم المقبور القذافي.
تقول النكتة ( ان مواطن سوداني زار ليبيا وعند عودته للسودان طلبوا منه أقاربه وأصدقاءه في السودان، أن يروي لهم أهم ما أعجبه وشد انتباهه في ليبيا، فأجابهم "أخونا" السوداني، والله يازول في ليبيا كل شي ماشي معكوس بيقولوا على سخان الشاي "براد" وعلى الفحم الاسود "بياض" وعلى كانون النار المشتعل "عافية"، وأكمل تصدق يا زول ان اللي بيدمر البلاد بردوا بيسموه في ليبيا "معمر"). فمن هنا يتبين لنا بأن تسمية الحسوم على تلك الليالي السود هي نوع من التسميات الليبية المعروفة، والتي مؤكد استعمالها في هذه الجملة يعمل كثيراً على تخفيف حمل ومعنى الكلمة الحقيقي، أي بدلاً من أن يطلق عليها (قرت الليالي السود أو قرت الليالي الشؤوم) نجدهم يسمونها بـ (قِرّتْ الحسوم).
الليالي السود التي تأتي بها (قرت الحسـوم) عادة تكون مواقيتها بعد دخول فصل الربيع، أي عند استقراروتعديل المناخ في البلاد من حالات البرد القارس التي تصاحب فصل الشتاء، إلى حالة المناخ الرائع الجميل التي بطبيعة الحال تصاحب أيام فصل الربيع. وهذه "القِرّة" وهذه الايام والليالي حتى وان جاءت باردة أو قارسة بعض الشيء إلا أنها في أغلب الأحيان إن لم تكن كلها، لا تكون مضرة بصحة الإنسان أو تصيبه بأية مكروه يذكر، والدليل سنجده في المثل الشعبي الليبي أو إذا صح التعبير في القول الشعبي المأثور التالي، عندما يقول الليبيون في وصفهم لهذه الحالة المناخية المتقلبة، (ما تخافش هذه قِرّتْ الحسوم ارمي عباتك وعوم)، والمعنى هنا تقلب تلك الأجواء الربيعية الرائعة إلى حالة البرد الشديد، ما هي إلا فترة "قِرّتْ الحسوم المعروفة، وبامكان الرجل الليبي الذي كان طيلة فترة فصل الشتاء يلبس العباءة الرجالية الليبية "العبى الليبي" ليقي جسمه برد الشتاء، بامكانه في ذلك الوقت أي في فترة "قرت الحسوم"، أن يرمي العباءة أي ينزعها من على جسده، والأكثر من هذا "يعوم" أي أن يسبح في البحر بدون أن يصيبه أي مكروه بإذن الله. كان هذا شرحي الوافي لما يسمى في وطني ليبيا الغالية بـفترة "قِرّتْ الحســوم" التي وكما ذكرت لكم تأتي في فصل الربيع الطبيعي الرباني.
من وجهة نظري الخاصة، أرى أن ما يسمى بربيع الثورات العربية وما يحدث ويمرّ بهذا "الربيع" - في هذه الفترة الزمنية - من أحداث متقلبة ومتنافية مع زهو وإزدهار وجمال أجواء الربيع العربي البهيجة، ما هي إلا حالة اشبه بقرّت الحسوم – سابقة الشرح - رعشات وقشعريرة بدن خفيفة يمرّ بها المواطن في دول الربيع العربي، لكنّها مؤكد لن تكون مؤذية ولا تخيفُ أبدًا.. فهي لن تصيب متلقيها بأي مرض، ولن تكون مهلكة كتلك الأمراض والنكسات، التي تلقاها المواطن العربي طيلة سنوات "الشتاء المصيبي القارس" الذي فرضه عليه "حكامه" مستبديه وطغاته.
إذن وكما ذكرت لكم بأن هذه "القِرّة" التي تمر علينا هذه الأيام، ما هي إلا دليل واضح بأن ربيع الثورات العربية في مراحله المتوسطة.. وما يحدث الآن سوى تحصيل حاصل لثورات عظيمة، قضت بكل ما لدى شعوبها من قوة وعزيمة على رؤوساء وحكام فاسدين، وربما المواطن العربي بات يشعر الآن ببعض الخوف مما قد يحدث من سلبيات، فهذه الأمور والحريات الجديدة عليه قد تكون "مربكة" له بعض الشيء فهو لم يتعود عليها في موطنه الأم بعد.. انتخابات، منافسة بينَ أحزاب، صراع بين أيدلوجيات متعددة وتوجهات مختلفة، معارك إعلامية خطابية وربما "سلاحية" بينَ أطراف متنازعة، ترغب جميعها في السيطرة على زمام الأمور وكسب كرسي السلطة، سماع بعض الأصوات الساخطة التي يملأها شعور بالمرارة أحيانا، والرعب من القادم أحيانا أخرى، كل هذهِ الأمور – وحسب وجهة نظري - ما هي "قِرة" "قفقفة" "رعشة برد" ربيعية، خفيفة، سريعة، يتعرض إليها المرء أي المواطن العربي ي هذه الفترة التأريخية الحرجة، لكنّها في ذاتِ الوقت لم ولن تصيبه بمكروه، ولن تعرضه إطلاقا لحالة مرضية مزمنة ومعقّدة قد يصعب علاجها مستقبلاً..
عزيزتي وعزيزي القارئ الكريم إذا أصابتك أي حيرة في فهم هذا الموضوع، ولم تستوعب الفكرة منه بالكامل أو كما يجب فهمها، فما عليك إلا أن تسأل أي مواطن ليبي عادي، عن (قرّت الحسوم، فمؤكد سيرد عليك ارمي عباتك، وعوم) .. قلنا فقط "عوم" ولا تحاول "ركوب الموجة"... تكبيـــــر"